ولو أردتُ أن أنسج مسرحيّةً تراجيديّة درامية حول مآسي هذا القانون الذي يطبّقه حتى الناقد الموقّر هنا لكان أبشع من الصورة التي قدّمها الناقد نفسه .
وحتى مفهوم تقسيم الأرض إلى أوطان صغيرة ، والذي عليه تقوم قيامة العالم المتحضّر اليوم ، هو قانونٌ ظالم جائر يضيّق من فرص تنقّل البشر على وجه الأرض ، ومن حريّاتهم ومن حقوقهم في الانتفاع بالطبيعة أينما كانت ؛ لأنها للإنسان كلّه .
إنّ التفكير بهذه الطريقة النقديّة لا ينفع أبداً ، وليس بهذه الطريقة تبنى القوانين والحقوق ، وإنما بدراسة المبرّرات الموضوعية ورصدها وتأصيل الحقوق وفقاً لنظريّة فلسفية وعلميّة ، فلماذا في فرنسا - وهي البلد الأكثر تحرّراً في العالم - لا يُسمح قانونياً بكشف العورة في الشارع ، بل حتى بكشف المرأة لثدييها فيه ، ويجرّم مالياً من يفعل ذلك ، مع أنّ ذلك نقضٌ لحقوق الناس وحريّاتها ؟ ! ولماذا لم ننسج مأساةً تراجيدية تتعاطف مع الشباب الراغبين في التعرّي في شوارع باريس ؟ ! والقانون الفرنسي بالمناسبة يجرّم كلّ ظهور جنسي في الشوارع عدا الأماكن المخصّصة لذلك أو برخصة استثنائية من الدولة أو البلدية . وحتى محاربة المخدّرات هي ليست إلا ظلماً وقهراً ، فلماذا يُسجن ويحارَب ويضيّق على عشرات الملايين في العالم من مدمني المخدرات ، أليس من حقّهم العيش كما يشاؤون ؟ ! وإذا كان في ذلك ضرراً عليهم فما شأني أنا ؟ ! وهل أنا بالوصيّ على الناس ؟ ! فليضرّوا أنفسهم ويهلكوها ، فهذا شأن البشر ، وكلّ مسؤول عن فعله ، فكم من معاناة عاشها مدمنو المخدرات بسبب تضييق القوانين العالمية والمحليّة عليهم ؟ لو أردنا نسج صورة تراجيدية لأمكن التعاطف معهم ، بل مع الذين ينتحرون أو حتى ينظّمون جلسات انتحار جماعي !
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 438
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٣٨