بأنّ المعصوم قد أمرنا وفوّض إلينا وأوكل إلينا التصدّي لمثل هذه المهمّات عنه بحسب النصّ القرآني ونصّ السنّة الثابت عندهم من وجهة نظرهم ، فإذا أردنا أن نناقشهم فعلينا المناقشة معهم في التفويض المدّعى للفقيه أو غيره مثلًا في عصر الغيبة كي يحكم أو يتصدّى للسلطة ، لا في أنّ التصدّي ينافي الأدلة الدالّة على حصر الحاكمية بالنبي وأهل بيته . وإلا فهم لا يقولون بممارسة السلطة مع وجود المعصوم ، إلا بإذنه .
ثانياً : إنّ معنى المقولة التي نقلتموها هو أنّ الفقهاء لا يحقّ لهم سوى التصدّي للأحكام الواقعيّة ، ولو أنت سألتَ الفقهاء عن الأحكام الظاهريّة الظنيّة التي وصلوا إليها ، لقالوا لك بأنّها ترجع إلى القطع واليقين ، فهم يقطعون بأنّ وظيفة المكلّف في عصر غياب النصوص وضياع الأحكام الواقعيّة الأوّلية هي الأحكام الظاهرية الثانوية ، أي أنّ لديهم أدلّة على أنّ ما نسمّيه اليوم بالأحكام الظاهرية الظنيّة أو الظاهرية المعتمدة على الأصول العمليّة ، أنّ هذه الأحكام وإن كانت ظنيّةً من حيث تطابقها مع الأحكام الواقعيّة الأوليّة وعدمه ، لكنّها يقينيّة من حيث إنّ المكلّف ملزمٌ بها حيث لا تتضح له الأحكام الواقعيّة .
فلو غصنا قليلًا في البُنية الفلسفية لمقولات الفقهاء والأصوليين هنا فسوف تصبح الأحكام الظاهرية يقينيةً أيضاً في أفق الظاهر ( المسمّى بالواقع الثانوي ) ، لا في أفق الواقع الأوّلي ، فما الفرق إذاً بينها وبين الأحكام الواقعيّة الأوّلية المتيقّنة ما دام اليقين موجوداً فيهما ؟ وما هو الدليل على التمييز بين هذين النوعين من الأحكام ؟ ولماذا جاز لهم التصدّي للمرجعية في الأحكام الواقعيّة الأوليّة اليقينية ولم يجز لهم التصدّي في الأحكام الواقعيّة الثانويّة ( الظاهرية ) التي يقطعون بأنّها وظيفة عملية في عصر غياب الواقع التشريعي الأوّلي ؟ هذه كلّها أسئلة يجب أن
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 313
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣١٣