لما أشغلت نفسي بالعبادات والرياضات الروحية وأفاض الله علينا من علمه واطّلعت على عالم الحقيقة توضّح لدينا أنّ الأصالة للوجود لا للماهيّة . والسؤال هو : إذا كان مصدر المعرفة واحداً لدى العرفاء وهو الكشف والشهود ، فلماذا تناقضت أقوالهم بالقول بأصالة الوجود واعتباريّة الماهية بالنسبة للأخير أو اعتبارية الوجود وأصالة الماهية بالنسبة لشيخ الإشراق ؟ هل الخروج من حالة الكشف والرجوع للواقع المادي هي السبب ؟ حيث إنّ المعنى لا يمكن إيصاله للمقابل . . . بمعنى آخر هل التعاريف قاصرة عن إيصال المقصود ؟ فكلّ من شيخ الإشراق والملا صدرا صاغ ما اطّلع عليه بطريقته التي يحسبها مطابقةً لما انكشف له من الفيض الإلهي حسب تعبيره ، ولذلك تباينت أقوالهم بخصوص هذا الموضوع ؟ وكمثال علىذلك ألفاظ القرآن الكريم مثل الكرسي ، والعرش ، واللوح ، كلّها ألفاظ مادية لكن هذه الألفاظ لا يمكنها إيصال الواقع الحقيقي لمعاني تلك الألفاظ فكلّ ما يطرح هو معنى مجازي لإيصال المعلومة لأذهان الناس ، وإلا فالألفاظ قاصرة عن إيصال الحقيقة بذاتها للذهن البشري ؛ لأنّه لا يمكن تصوّرها . لذلك حدث اختلاف في فهم هذه الألفاظ ، فمنهم من فهمها على ظاهرها مثل ابن تيمية ومدرسته ، ومنهم من أوّلها مثل الإماميّة والمعتزلة .
ثمّ بما أنّ العرفاء اطّلعوا على عالم الملكوت لماذا لا يمكنهم أن يتوصّلوا بطريقة من خلال مكاشفتهم لتوصيل الفكرة للناس ؟ بمعنى آخر لماذا لا يتوسّلوا بالمكاشفات التي لديهم للحصول على طريقة توصل الفكرة بصورة واضحة وسليمة للناس ، كما هو حالهم حين توسّلوا بالرياضات النفسية والمكاشفات لمعرفة الأصيل والاعتباري لكلّ من الوجود والماهية ؟ هل السبب في ذلك هو عزوفهم عن الدنيا لأنّه لا يهمّهم أن تصل ، فمن اطّلع على الحقيقة الإلهيّة سوف
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 52
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٢