الأفراد ، وليس هناك شيء آخر - غير هذه الأفراد من عناصر الجيش - اسمه سريّة . السرية أو الفرقة هي عبارة عن مفهوم اصطنعه العقل واعتبره الذهن لكي ينظّم الأمور واضطرّ إليه اضطراراً ، ليس هناك في الواقع شيء اسمه زيد وعمرو وبكر وخالد ومحمد وسعيد وجهاد - وهم أفراد الفرقة العسكرية - وإلى جانبهم شيء اسمه السريّة أو الفرقة ، إنّ السرية مفهوم لا وجود خارجي له أساساً ، فلو فتّش الفيزيائي أو الكيميائي أو أيّ عالم من المهتمّين بالواقعيّات عن السريّة ، فلن يجد شيئاً يضع يده عليه اسمه السريّة ، وإنّما سيضع يده على أفراد هذه السريّة فقط .
هذا كلّه يعني أنّ في عقولنا ثلاثة أنواع من التصوّرات والمفاهيم :
1 - الحقائق ، وهي التي توجد في ذهننا ويكون لها واقع خارجي ، مثل الهواء والماء والتراب .
2 - الاعتباريّات ، وهي القضايا أو التصوّرات التي ينسجها العقل مضطرّاً لغايات ومصالح ، ثم يفترض لها واقعاً خارجيّاً ، وليس لها أيّ واقع ، وهذه نسمّيها الاعتباريّات .
3 - الوهميّات ، وهي أمور يتوهّمها العقل مخطئاً ، مثل تصوّره وجود شبح في البيت ، ولا يكون هناك شيء مثلًا .
عندما نسأل : من أيّ شيء تتألّف قطرة الماء هذه ؟ فنحن نبحث في أمور حقيقيّة وجودية أنطولوجية ، وسيأتي العلماء هنا ليقولوا بأنّها تتألّف من الأوكسجين والهيدروجين ، ولكن عندما نسأل : ما هي القيم الأخلاقية التي يمكنها أن تنظّم حياة البشر ؟ أو ما هي القوانين التي تصلح لتنظيم أمورنا اليوميّة ؟ هذا السؤال لا يجيب عنه العلماء الطبيعيّون مثلًا ، فلو بحثوا بالمكبّرات
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 470
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٧٠