لهذه النتيجة سوف تكون الآية خارجة برمّتها عن إطار بحثنا كما هو واضح .
ولكن لو لم نفهم ما ذهب إليه هذان الفقيهان ، فما هو المتحصّل ؟ إنّ القرينة العكسية الأساسيّة التي تحول دون شمول مدلول الآية لمسألتنا هي قرينة المقابلة ، أي المقابلة بين الفرج ستراً وحرمة النظر ، فعندما نقول لزيدٍ غضّ بصرك واستر عورتك ، ثم نقول لعمرو : غضّ أنت بصرك واستر عورتك ، فلا يكاد العرف يفهم سوى اختصاص المسألة بالعورة ستراً ونظراً . ومعه تكون الآية الكريمة خارجة عن إطار بحثنا .
غير أنّ هذه القرينة تواجه مشكلة ، وهي أنّ النص المعتبر قد دلّ على أنّ نزول الآية الكريمة قد تمّ في ظرف لا مجال لتحكيم هذه القرينة فيه ، فقد جاء في معتبرة سعد الإسكاف ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : « استقبل شاب من الأنصار امرأةً بالمدينة ، وكان النساء يتقنّعن خلف آذانهنّ ، فنظر إليها وهي مقبلة ، فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان ، فجعل ينظر خلفها ، واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه ، فلما مضت المرأة نظر ، فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره ، فقال : والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وآله ولأخبرنّه ، فأتاه ، فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : ما هذا ؟ فأخبره ، فهبط جبرئيل عليه السلام بهذه الآية :
( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ )
» ( تفصيل وسائل الشيعة 20 : 192 ، أبواب مقدّمات النكاح ، باب 104 ، ح 4 ) .
وهي تشير إلى أنّ المسألة ترتبط بالنظر إلى المرأة لا إلى عورتها ، فالمسألة تدخل في إطار قوّة دلالة قرينة المقابلة ، فإذا كانت بدرجة أمكن بها ردّ رواية سعد الإسكاف ، وإلا فلا مناص من القول بدلالة الآية الكريمة على الحرمة هنا ، بناءً