وعلى أيّة حال ، ولدراسة هذه القاعدة بشكلٍ عام وكلّي ، لابدّ من تفسيرها أوّلًا ، ثمّ البحث في مستندها ومنشئها ؛ لنرى هل لهذه القاعدة وجود بحيث تؤثر على حجيّة خبر الواحد وتخصّصها أو لا ؟
2 - 1 - تفسيرات قاعدة درء الحدود بالشبهات
يمكن ذكر عدّة تفسيرات لهذه القاعدة ، وهي :
التفسير الأوّل : ما ذكره بعضهم - وهو الذي يمثل المقدار المتيقّن من هذه القاعدة حسب تتبّع الكتب الفقهيّة التي ذكرت مجموعةً كبيرة من النماذج التي تصبّ في صالح هذا المقدار - من أنّ القاعدة تعني : « عدم إقامة الحدّ على العمل الذي يقع اشتباهاً ، فالمراد من الشبهة هنا هو تحقّق العمل الذي عليه الحدّ مع الجهل بالموضوع أو الحكم ، كما هو الحال في الوطء عن شبهة . . » « 1 » .
وهذا التفسير للقاعدة يحصر مدلولها بالشبهة من طرف المتهم بالجرم نفسه ، ويدرء بها عن القاضي أو الشهود أو غيرهم ، فالفاعل إذا قام بالعمل الذي تترتّب عليه عقوبة معيّنة ، لكنّ إتيانه بهذا العمل كان عن شبهة حكميّة أو موضوعيّة ، لم يترتّب عليه الحدّ ، وهذا التفسير للشبهة هو - كما يراه بعضٌ « 2 » - نفس ( ما يُسمّى اليوم في عرف القانون الوضعي بظروف التخفيف ، وإن كانت الشبهة أقوى ؛ لأنّ ظروف التخفيف لا تمنع العقاب ، ولكنّها تجعله خفيفاً على الجاني ) ، بخلاف الشبهة التي قد ترفع العقاب من أساسه .
وهذا المقدار من تفسير القاعدة ، تدعمه - بعيداً عن الأدلّة المشهورة الآتية لهذه القاعدة - الأصول المقرّرة دينياً ، سواء على صعيد علم الكلام أم أصول الفقه أم التحديدات العامة للجرائم في الفقه نفسه ، حيث أخذت العمديّة المختزنة للعلم في تعريف العديد
هامش
( 1 ) محمد كاظم المصطفوي ، القواعد ( مائة قاعدة ) : 113 .
( 2 ) أحمد بكير ، درء الحدود بالشبهات ، حوليّات الجامعة التونسية ، العدد 17 : 78 .