بل إنّ كلام الشيخ الطوسي في المشيخة أنّه يذكر الطرق لتخرج الأخبار عن حدّ الإرسال إلى حدّ الإسناد كاشفٌ حاسم هنا ؛ لأنّه لا معنى للإرسال لو كانت الطرق تيمنيّة والكتب معلومةً قطعيّة ، فهل نحن اليوم بحاجة لطريق إلى الكافي والبخاري مثلًا لرفع الإرسال وإدخال الخبر في الإسناد ؟ ! وهل نحن بحاجة لتأليف كتاب مثل المشيخة يحقّق هذا الأمر ؟ ! علماً أنّ كتاب المشيخة كتاب داخلي وليس كتاباً للعرض بين المذاهب .
وما نريد أن نشير إليه هنا هو عدد الشيعة في الفترة الفاصلة بين أصحاب الكتب والمحمدين الثلاثة وأمثالهم ، فإنّ التنامي الشيعي ظهر بشكل رئيس على هذا الصعيد في العصر البويهي ، أي بعد وفاة الكليني ، ومن ثمّ كيف نثبت انتشار عدد الشيعة ووجود فسحة لهم في التحديث وتناقل أعداد كبيرة من الكتب واستنساخها قبل ذلك ، أي ما بين عصر الصادقين في النصف الأوّل من القرن الثاني الهجري والعصر البويهي قريب نهاية النصف الأوّل من القرن الرابع الهجري ؟
القضيّة تترك أثراً من حيث حجم الحريّات وعدد المنتمين للمذهب ، وهذا ما يميّز نسبة كتب أهل السنّة إلى أصحابها ونسبة كتب أصحاب الإماميّة إليهم ، فإنّ انتشارهم في البلدان وكثرتهم وانفتاح مجال الحريّات والتأييد لهم كان مساعداً عظيماً في هذا السياق ، لا ينبغي إغفال ملاحظته تاريخيّاً ، فلا يُعقل أن تكون الأصول الأربعمائة ومعها مئات الكتب الأخرى معلومة النسبة لأصحابها متواترة بجميع نسخها في ظلّ ظروف من هذا النوع ، ولو قيل بأنّ المقصود خصوص المشهور من الكتب فما معنى الإحالة المطلقة للطوسي على كتب الفهارس دون تخصيص أو تمييز ؟
ولعلّ ما يؤيّد بعض الشيء ما نقول هنا هو أنّه لو كانت الظروف مؤاتيةً لتحقيق تواتر في الكتب ؛ لأقدم الأئمّة بأعيانهم على تأليف مصنّفات لهم ، ليتمّ استنساخها من بعدهم ، تماماً كما حصل مع سائر أئمّة المذاهب وغيرهم .
بل لعلّ ما يساعد على ما نقول أنّ الكثير من كتب علماء المسلمين ومنهم الشيعة ممن
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 123
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٢٣