بسم الله الرحمن الرحيم
سأل بعض الناس الشيخ الرئيس ابا على بن سينا عن معنى قول الصوفية ( من عرف سرّ القدر فقد الحد ) فقال فى جوابه : ان هذه المسئلة فيها ادنى غموضة و هى من المسائل التى لا تدون الّا مرموزة و لا تعلم الّا مكنونة لما فى اظهارها من افساد العامة ، و الاصل فيه ما روى عن النبى صلى اللّه عليه و آله و سلم انه قال « القدر سر اللّه و لا تظهروا سرّ اللّه » « 1 » ، و ما روى ان رجلا سأل امير المؤمنين عليا عليه السلام فقال : القدر بحر عميق فلا تلجه ، ثم سأله ، فقال : انه طريق وعر فلا تسلكه ، ثم سأله ، فقال : انه صعود عسر فلا تتكلفه . « 2 »
و اعلم ان سرّ القدر مبنى على مقدمات منها نظام العالم و منها حديث الثواب و العقاب و منها اثبات المعاد للنفوس .
فالمقدمة الاولى هى ان تعلم ان العالم بجملته و اجزائه العلوية و السفلية ليس فيه ما يخرج عن ان يكون اللّه سبب وجوده و حدوثه و عن ان يكون اللّه عالما به و مدبرا له و مريدا لكونه بل كله بتدبيره و تقديره و علمه و ارادته ، هذا على الجملة و الظاهر و ان كنا نريد بهذه الاوصاف ما يصح فى وصفه دون ما يعرفه المتكلمون و يمكن ايراد الادلة و البراهين على ذلك فلو لا ان هذا العالم مركب عن ما تحدث فيه الخيرات و الشرور و يحصل من اهله الصلاح و الفساد جميعا لما تم للعالم نظام اذ لو كان العالم لا يجرى فيه الا الصلاح المحض لم يكن هذا العالم عالما بل كان عالما آخر و لكان يجب ان يكون العالم مركبا على هذا الوجه و النظام فانه يجرى فيه الصلاح و الفساد جميعا .
هامش
( 1 ) . الفيض الكاشانى ، علم اليقين ، المقصد الّاول ، الباب السابع ، الفصل الحادى عشر ، ج 1 ص 187 ؛ و فى الجامع الصغير ج 2 ص 88 بعبارة فلا تفشوا سرّ اللّه .
( 2 ) . الصدوق ، التوحيد ، الباب 60 ، الحديث 3 ، ص 365 ؛ راجع نهج البلاغة ، الحكمة 287 .