تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس حول صلاة المسافر تقريرا لما أفاده الشيخ يد الله الدوزدوزاني — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
شرح
وأمّا الجهة الثانية : فنقول منشأ الخلاف في ذلك اختلاف آرائهم في تفسير الآية ، أعني قوله سبحانه :« وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ »« 1 » وحيث إنّ التحقيق الحقّ يحتاج إلى بيان معنى الآية فينبغي لنا تفسير الآية وتوضيحها . فنقول : المعروف عند المفسّرين أنّ الباء في قوله « بأيديكم » زائدة جيء بها للتأكيد وليست للتعدية ، لأنّ الإلقاء متعدّ بنفسه لا يحتاج إلى حروف التعدية ، كما صرّح بذلك الزمخشري في كشّافه ، وابن هشام في المغني ، وأبو البقاء في تفسيره ، والطبرسي في « مجمع‌البيان » والطباطبائي في « الميزان » . وعلى هذا يصير المعنى « ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة » والمراد من اليد هو القوى والاستطاعة البدنية ، فيكون النهي من الإلقاء في التهلكة إرشاداً إلى عدم جواز إفساد قوى البدن فيحرم تضييع تلك القوى من قطع اليد والرِّجل وإفساد العين وجعل المرأة والرّجل أنفسهما عقيمين ، وهكذا ، لأنّ ذلك كلّه إلقاء القوى إلى التهلكة . نعم لا يشمل ذلك البيان الإضرار الذي يوجب تشويه الخلقة وتغييرها . وربّما يؤيّد هذا المعنى الآيات المتقدمة على تلك الآية حيث إنّ بعض المسلمين الذين كانوا متموّلين لم يكونوا ينفقون أموالهم على المجاهدين ، وكان ذلك سبباً لتضعيف المجاهدين من جهة الجوع وفقد السلاح ، فأمر اللّه سبحانه ، بالإنفاق في الجهاد حتى لا تضعف قوى المجاهدين في قبال العدو . نعم لو قلنا بأنّ الباء للسببية كما يظهر من بعض كتب النحو والتفسير وصرّح به البلاغي قدس سرّه ، في تفسيره « 2 » لكان المعنى : « لا تلقوا أنفسكم بسبب أيديكم إلى التهلكة » فتدلّ حينئذٍ على حرمة إلقاء النفس إلى التهلكة فقط ، فلا تشمل غير ذلك . والظاهر انّ ما ذكره المحقق الخوئي قدس سرّه ، من اختصاص الحرمة بإهلاك النفس فقط مبنيٌّ على هذا التفسير ، إلّا أنّك عرفت ضعف المبنى ، لكونه مخالفاً لأكثر أهل الأدب والتفسير ، ولاحتياجه إلى التقدير ، والأصل عدمه .
هامش
( 1 ) - البقرة ، 195 . ( 2 ) - آلاء الرحمن ، ص 167 .