شرح
ظاهر الآية مع قطع النظر عن النصوص هو الأوّل ، نظرا إلى نفي الجناح الظاهر في كون القصر مباحا ، إذ الجناح هو الإثم أو الميل عن الحق ؛ قال الطُريحي : « والجناح الإثم لميله عن طريق الحق . » « 1 »
فإذا انتفي الإثم يكون الفعل مباحا ومرخّصا فيه .
ولعلّ هذا هو المنشأ في تشتّت الأقوال بين العامّة ، وقد تقدّم نقل أقوالهم في أوائل البحث فانّهم فسّروا نفي الجناح بالإباحة ، فعن الشافعي القصر في الخوف بالكتاب والسنّة وفي السفر بلا خوف سنّة ، والكتاب يدلّ على أنّ القصر في السفر بلا خوف رخصة من اللّه لا أنّه حتم عليهم .
ويؤيّده استعمال هذا التركيب في الإباحة في موارد من الكتاب .
منها : قوله سبحانه :« لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً »« 2 » .
ومنها : قوله سبحانه: « وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ »« 3 » .
ومنها : قوله سبحانه :« لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ »« 4 » .
فكما أنّ نفي الجناح من هذه الموارد ظاهر ، بل صريح في الإباحة ، فليكن كذلك في المقام . هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ لهم بمقالهم .
والجواب : ليس معنى « لا جناح » هو الإباحة ، بل معناه عدم الإثم كما أشرنا إليه .
هامش
( 1 ) - مجمع البحرين ، مادة « جنح » .
( 2 ) - البقرة ، 226 .
( 3 ) - النور ، 60 .
( 4 ) - البقرة ، 198 .