وعُدّ لذلك موارد لا يسلم أغلبها من الخدشة ، والمسلّم من ذلك قوله تعالى : « يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ » ؛ « 1 » فإنّها نسخت بقوله تعالى في الآية اللاحقة لها : « ءَ أشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأقيمُوا الصَّلاةَ » . « 2 » إلخ .
بيانه : أنّ اللَّه تعالى أوجب على كلّ مَن أراد التكلّم والنجوى مع النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله أن يتصدّق قبل ذلك شيئاً على الفقراء ، فلمّا ظهر إشفاق الناس من ذلك ، وتركوا النجوى وأخذ الأحكام بُخلًا بالمال ، نسخ الحكم وتاب على المشفِقين ؛ فالآية الأولى منسوخة ، والثانية ناسخة لها .
وروى الصدوق عن عليّ عليه السلام أنّه قال في عِداد مناقبه : «
وأمّا الرابعةُ والعِشرونَ : فإنَّ اللَّهَ أنزَلَ عَلى رَسولِه :
« يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا »
، فكانَ لي دينارٌ فَبِعتُهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ ، فَكُنتُ إذا نَاجَيتُ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أتَصَدَّقُ قَبلَ ذلك بِدِرهَمٍ ، وَاللَّهِ ما فَعَلَ هذا أحَدٌ غَيري مِن أصحابِه قَبلي ولا بَعدي ، فَأنَزَلَ اللَّهُ :
« ءَ أشْفَقْتُمْ »
إلخ » « 3 » . « 4 »
[ 95 ] النهي « 5 »
المشهور بين الأصوليين : أنّ النهي عبارة عن الطلب الإنشائي المتعلّق بترك الشيء وعدمه ، فهو يتّحد مع الأمر في الحقيقة النوعية أعني كونه الطلب الإنشائي ، ويفترق عنه في المتعلّق ؛ فإنّ متعلّق الطلب في الأمر هو وجود الشيء ، ومتعلّقه في النهي هو عدمه .
هامش
( 1 ) . المجادلة ( 58 ) : 12 .
( 2 ) . المجادلة ( 58 ) : 13 .
( 3 ) . والحديث : « وَأَمَّا الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً » ، فَكَانَ لِي دِينَارٌ ، فَبِعْتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، فَكُنْتُ إِذَا نَاجَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أَصَّدَّقُ قَبْلَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ ، وَوَ اللَّهِ مَا فَعَلَ هَذَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَبْلِي وَلَابَعْدِي ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَ : « أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ » الْآيَةَ ، فَهَلْ تَكُونُ التَّوْبَةُ إِلَّا مِنْ ذَنْبٍ كَان » . الخصال ، ص 574 ، ح 1 ؛ بحار الأنوار ، ج 31 ، ص 436 ، ح 2 .
( 4 ) . النقيضان ، انظر الضدّ ( ط 2 ) .
( 5 ) . عدّة الأصول ، ج 1 ، ص 255 ؛ معالم الدين ، ص 90 ؛ كفاية الأصول ، ص 149 .