وأمّا الثانية : فهي أحكامه الاستقلالية التي تعدّ أحكاماً ظاهريّةً واصولًا عملية ، يُرجع إليها عند فقد الأمارات العقلية والقواعد النقلية ؛ وذلك كحُكمه بقبح العقاب على الحُكم بلا ورود البيان عليه ، وحُكمه بتخيير المكلّف عند دوران الأمر بين المحذورَين ، ولزوم الاحتياط عليه في موارد العلم الإجمالي ، ونحوها .
تنبيهان :
الأوّل : تنقسم مدركات العقل وأحكامه إلى أقسام كثيرة تختلف لَدَيه بالوضوح والخفاء : « 1 » فمنها : المشهورات ، وهي التي تَوافقت عليها آراء العقلاء ؛ لوجود مصالح فيها وانحفاظ نظام المجتمع وبقاء النوع بها ، كحُسن العدل وقبح الظلم .
ومنها : الأوّليّات ، ككون الكلّ أعظم من الجزء ، والضدَّين لا يجتمعان .
ومنها : الحسّيّات المحسوسة بالحواسّ الظاهرة أو الباطنة ، ككون هذا الجسم أبيض ، وكحُكمنا بأنّ لنا علماً وشوقاً وشجاعةً .
ومنها : الفطريّات ، وهي القضايا التي قياساتها معها ، ككون الأربعة زوجاً ؛ لِأنّها تنقسم إلى المتساويَين ، وكلّ منقسم إلى المتساويَين زوج .
ومنها : التجربيّات ، وهي الحاصلة بتكرّر المشاهدة ، كحُكمنا بأنّ السمّ مهلِك .
ومنها : المتواترات ، كحُكمنا بأنّ مكّة موجودة ؛ لإخبار جماعة يمتنع تبانيهم على الكذب .
ومنها : الحدسيّات الموجِبة لليقين ، كحُكمنا بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس ؛ لتشكّله بدراً وهلالًا .
الثاني : لا إشكال في حجّية ما استقلّ به العقل من الأحكام ممّا يعدّ أمارةً موصِلةً إلى الأحكام الشرعية ، أو أصلًا عملياً يُرجع إليه في مرحلة العمل . « 2 » والدليل عليه أوّلًا :
أنّ ذلك ممّا يجده العقل في نفسه طبعياً وجدانياً ، وهو كافٍ في الحجّية ؛ إذ حجّية كلّ
هامش
( 1 ) . المنطق ، ص 327 .
( 2 ) . انظر : أصول الفقه ، ج 2 ، ص 261 ، وج 3 ، ص 8 .