عذّب المسئ بعمله ، لا أنّه أثاب غير المحسن وعذّب غير المسئ ؛ ولما كان في ذلك خلاف العدل ، لكون الفرد فرداً بروحه لا ببدنه . إلّاأنّ ظواهر الآيات والأخبار تقضي بأنّ الجسم المزدوج مع الروح يوم القيامة هو عين ما ازدوج به في الدنيا ، وأنّ ما يحلّ فيه هناك عين ما حلّ فيه هاهنا .
ثمّ إنّا نعتقد أنّ إماتة نوع الإنسان وسائر الأحياء من الحيوان في آخر لحظات عمر الدنيا تكون بالنفخة الأولى ، فعند ذلك تموت الأحياء جميعاً ، وتلحق نفوسهم بالبرزخ ؛ قال تعالى : « وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّموَ تِ وَمَن فِى الْأَرْضِ » ، « 1 » وتقع حينئذٍ الحوادث العظيمة ، والكوارث الهائلة الجسيمة ، من : تكوير الشمس ، وتسيير الجبال ، وطَيّ السماء ، وانتثار النجوم ، ونحو ذلك ممّا سيجيء .
وإنّ إحياء الأموات يكون بالنفخة الثانية ، فعند ذلك يخرج الناس جميعاً من أجداثهم ، ويبعثون من مراقدهم ، ويقومون من مضاجعهم ؛ قال تعالى : « ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ » . « 2 »
« وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ » . « 3 » وإنّ حضور الجميع عند اللَّه وفي المحلّ المعدّ للسؤال والحساب يكون بالنفخة الثالثة ، كما قال تعالى : « إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ » « 4 » .
وليعلم أنّ أحوال القيامة بعد البعث ، وأهوالها المدهشة للعقول والقارعة للنفوس كثيرةٌ جدّاً لا يسع هذا المختصر لبيانها ، إلّاإنّا نذكر في المقام اموراً منها هامّة ، لها نوع أصالة وركنيّة في لزوم الإذعان بها ، وهي الأمور التالية :
1 . إحضار الكتاب المندرج فيه أعمال العباد ، غير المغادر منها صغيرة ولا كبيرة ، ليكون حجّة من اللَّه وبرهاناً للسائل والمسؤول ، وليقرئوه ويقفوا على ما صدر منهم في الدنيا
هامش
( 1 ) . الزمر ( 39 ) : 68 .
( 2 ) . الزمر ( 39 ) : 68 .
( 3 ) . يس ( 36 ) : 51 .
( 4 ) . يس ( 36 ) : 53 .