تعالى عن أكل مال الغير بالباطل الذي هو إتلاف للروح ، وعن قتل النفس الذي إتلاف للجسد . وعلى المعنى الثاني نهى اللَّه عن إتلاف مال الغير ونفسه . وعلى الثالث يكون هذه الجملة بمنزلة المعلول عن الأولى ، فنهى اللَّه عن أكل الحرام لأنّه قتل للنفس وإعدام للروح الإنساني .
تفسير الآية 40 من سورة النساء
قال اللَّه تعالى : إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرًا عَظيماً .
الظلم النقص ؛ قال تعالى : كِلْتا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ اكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً « 1 » أي لم تنقص من أكلها وثمارها شيئاً . وإطلاقه على البغي والجور أيضاً بملاحظة نقص الإنسان حقوق نفسه أو حقوق غيره ، وحينئذٍ فما معنى : أنّ اللَّه لا ينقص ، وفيما ذا لا ينقص ، وعمّن لا ينقص ؟
الظاهر أنّه لا ينقص إلى الأمور التكوينية كالأعمار والأثهار والأرزاق والحرّ والبرد وغيرها ؛ فإنّ اللَّه ينقص من ذلك ويزيد ويعطي من يشاء ويمنع ، كما أنّه لا يرجع إلى الأحكام أيضاً ؛ فإنّه ينقص في شرع ويزيد في آخر .
بل الظاهر رجوعه إلى جزاء الأعمال مطلقا ، أو إلى خصوص المثوبات ، فاللَّه لا ينقص في المثوبات وجزاء الأعمال الصالحة ، لا في الدنيا ولا في الآخرة .
والإشكال في ذلك بثبوت الحبط في الأعمال كما في آيات كثيرة فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ « 2 » غير صحيح ، فإنّما ذلك ليس ظلماً من اللَّه تعالى ونقصاً منه بالأصالة ، بل هو من جهة أعمال العباد ومن مقتضيات أفعالهم ، فهم قد ظلموا أنفسهم ، كما قال : رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وَإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ « 3 » فالمباشرة فيها من اللَّه ، والتسبيب من العبد . وينبغي أن يسند إلى السبب ، لا المباشر .
هامش
( 1 ) . الكهف ( 18 ) : 33 .
( 2 ) . الأحزاب ( 33 ) : 19 .
( 3 ) . الأعراف ( 7 ) : 153 .