ومنها : قبوله الأمانة الإلهيّة ؛
قال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً « 1 » .
قيل في الأمانة المشار إليها في الآية الشريفة أقوال ، وقد ذكرنا المختار منها عند التعرّض لتفسير الآية تحت عنوان « الأرض » في بحث عرض الأمانة عليها ، وقلنا إنّ الأمانة العقل ، أو الاعتقاد بالدين اصولًا وفروعاً ، أو هو مع العمل به .
وعلى أيّ تقدير : فعرضها على تلك الأشياء عبارة عن مقايستها بها ، ولحاظ حالها واستعدادها . واباؤها عبارة عن ظهور عدم قابليّتها تكويناً ، وحَمْل الإنسان لها قابليّته لأخذها بحسب استعداده طبعاً .
والتعليل بكونه ظلوماً جهولًا بلحاظ أنّ الظلم والجهل قد لوحظا فيه بنحو العدم المقابل للملكة ، فهو غير متّصف بالعدالة والعلم قابل للاتّصاف بهما ، ولأجل ذلك حملها وقبلها بحسب الطبع والاستعداد .
ثمّ إنّه بعد الحمل والقبول صار المخالف غير المعتقد الموافق في الظاهر منافقاً مستحقّاً للعقاب ، والمخالف ظاهراً وباطناً مشركاً كذلك ، والقابل الموافق في قلبه والعامل على وفقه مؤمناً رجع اللَّه إليه بالرحمة .
ومنها : خلافته عن اللَّه تعالى ؛
قال تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ « 2 » .
الظاهر أنّ المراد خلافة الإنسان عن اللَّه ، لا خلاقة خصوص آدم ، ولا خلافة الإنسان بعضهم عن بعض وإن كان ذلك مراداً في أغلب الآيات التي ذكر فيها الخلافة ؛ فإنّه ليس في الموجودات الممكنة ما يكون أجدر بالخلافة الإلهيّة وأحرى بها من الإنسان ، فلاحظ عقله
هامش
( 1 ) . الأحزاب ( 33 ) : 72 - 73 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 30 .