ولذا أوردنا في ذيل كلامه - عزّوجلّ - : « يا أَحْمَدُ ! إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَكُونَ أَوْرَعَ النّاسِ ، فَازْهَدْ فِى الدُّنْيا » « 1 » وقوله - عزّوجلّ - : « وَكَرَماً لَيْسَ بَعْدَهُ هَوانٌ » « 2 » وقوله - عزّوجلّ - : « وَوَرَعاً لَيْسَ بَعْدَهُ رَغبَةٌ » « 3 » آيات التقوى ورواياته الّتي تكون مفسّرة لهذه الجملة من الحديث أيضاً ، فراجع .
بقي الكلام في أنّه كيف يكون الورع أوّل الدين ووسطه وآخره ؟ فيمكن أن يريد تعالى بهذا التعبير أنّ الدين كلّه هو الورع ؛ أو يشير تعالى بهذا البيان إلى أنّ العبد في أيّ مرتبة من مراتب الايمان واليقين ( علم اليقين ، عين اليقين وحقّ اليقين ) كان ، يلزم عليه الورع الّذي تقتضيه تلك المنزلة باعتبار أن أريد من لفظ « الدين » في كلامه تعالى « الفطرة » . وقد عرفت آنفاً أنّ المراد من الورع ، هو الاجتناب عن جميع ما يخالف الفطرة . فتأ مّل فإنّه دقيق وبالتّدبّر حقيق .
وأ مّا كيف يكون الورع مقرّباً إلى اللَّه تعالى ؟ فلأنّ من ترك العمل على خلاف مقتضى الفطرة التوحيديّة وتورّع عنه وعمل على مقتضاها ، يكون لا محالة مقرّباً ( بفتح الراء ) ؛ لأنّ من دنى إلى الفطرة ، دنا في الواقع إلى اللَّه تعالى . واللَّه تعالى أمرنا أن نقيم وجوهنا إلى الفطرة ، حيث قال :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
« 4 »
ويشير إلى هذا التقرب أيضاً آية البقرة الماضية حيث قال :
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها
« 5 »
وإن شئت مزيد بيان حول معنى القرب ، فراجع إلى ما أوردناها من الآيات والروايات في ذيل كلامه - عزّوجلّ - : « وَالتَّقَرُّبُ إِلَىَّ » « 6 »
هامش
( 1 ) الفقرة 13 .
( 2 ) الفقرة 131 .
( 3 ) الفقرة 124 .
( 4 ) الرّوم : 30 .
( 5 ) البقرة : 256 .
( 6 ) الفقرة 27 .