وذهبت الوالدة إلى مقصورة زيادة اللّه ، وهو نائم على سريره فحركت حلقة الباب . فقال زيادة اللّه : من هذا ؟
قالت : « الوالدة » .
قال : « وما جاء بك ؟ » .
قالت : « القاضي بالباب ، ذكر أنه أتى في أمر دهمه » .
فأذن له بالدخول عليه وسلم القاضي على الأمير وقص عليه القصة ، ثم قال :
« هذا سجلك فإن أردت أن تعافيني فإن اللّه تعالى يجزئ مثوبتك » وتلطف معه الأمير وأمره بالانتظار ، ثم اغتسل ولبس ثيابه وركب وتبعه القاضي ، فركب دابته وتسايرا حتى دخلا من باب أبي الربيع ، ووقفا بالقرب من الجامع ، وسأل الأمير عن دار النزاع التي طبعها القاضي ، ولما أرشد إليها ختم على بابها بطابعه الملكي ، ثم التفت للقاضي وقال : « هل أرضيناك أيها القاضي العادل ؟ . . . » .
واستأذنه إثر ذلك في العودة . وعاد إلى قصره .
وسمع كبير وزراء ابن حميد بما فعل الأمير فخشي ، وندم على ما صدر منه ، وود أنه مات قبل أن يتحرج مركزه عند الأمير .
وشاع الأمر بين أهل القيروان فازداد احترامهم للقاضي وتعظيمهم له .
انتهى من الكتاب المذكور .
سيرة القاضي سليمان الغافقي رحمه اللّه تعالى
وجاء في الكتاب المذكور ما يأتي : عهد أمير المؤمنين عبد الرحمن ملك الأندلس إلى سليمان بن الأسود الغافقي بقضاء ماردة ومنحه من النفوذ ما شجعه على قبول القضاء . وذات يوم أقبل أحد التجار الإسرائيليين وادعى لدى سليمان أنه عرض الجارية للبيع ، ورغبها الأمير محمد بن أمير المؤمنين ، واشتط عليه في الثمن فلم يكن من الأمير إلا أن دس بعض غلمانه ففروا بالجارية ، وأحضر القاضي بعض من عاين الحادثة من الجمهور وتلقى شهاداتهم ثم استقدم الأمير وسأله رد الجارية ، فأنكر الأمير ولجّ القاضي في الأمر بالرد ، ولج الأمير في الإنكار ، وأقسم القاضي لئن لم يقع إحضار الجارية ليركبن إلى الخليفة ويستعفيه من قضائه . وفعلا ركب القاضي دابته متوجها إلى قرطبة ، فخشي الأمير عاقبة الأمر ووجه يعلم