وفي المدن الكبيرة في الحجاز ، كمكة والمدينة وجدة والطائف ، تشتغل الدوائر الحكومية في شهر رمضان في الليل ، بدلا عن النهار ، من بعد صلاة التراويح إلى نصف الليل ، وكذلك الدكاكين والمتاجر .
لذلك لم يبق لزوم ، في عصرنا الحاضر ، إلى صنف المسحراتية لإيقاظ الناس من النوم ، فبطلت صناعتهم وهجروا قصائدهم اللطيفة ، التي كانوا يترنمون بها في السحور .
ولنذكر هنا بعض القصائد المستملحة ، التي كان قدماء المسحرين يوقظون بها الخلفاء ، ( فمنهم ) ابن نقطة ، وهو الذي كان يتولى إيقاظ الخليفة الناصر للسحور ، وكان يستعمل في التسحير طريقة خاصة من إنشاد بعض القصائد من فن « الزجل » ، وكان لابن نقطة ولد ماهر ، في هذه الصنعة ، فلما مات لم يجد ولده طريقة يصل بها إلى الخليفة ليقره في منصب أبيه ، رئيسا على طائفة المسحرين ، فصبر حتى دخل شهر رمضان ، وجمع أتباع أبيه وذهب بهم إلى مكان قريب يسمعه منه الخليفة وجعل ينشد :
يا سيد السادات * لك بالكرام عادات
أنا ولد ابن نقطة * تعيش أبويا مات
فسمعه الخليفة وأعجب به فدعاه إليه وقربه وأقره في مكان أبيه ، وفرض له ضعف ما كان لأبيه في بيت الخلافة .
فمن قول بعض مشاهير طائفة المسحرين لإيقاظ بعض الخلفاء ما يأتي :
لا زلت سعدك جديد * دائم وجدك سعيد
ولا برجت مهنّا * بكل صوم وعيد
في الدهر أنت الفريد * وفي صفاتك وحيد
والخلق شعر منقّح * وأنت بيت القصيد
يا من جنابه شديد * ولطف رأيه سديد
ومن يلاقي الشدائد * بقلب مثل الحديد
لا زلت في تأييد * في الصوم وفي التعييد
ولا برحت ممتّع * بكل عام جديد
نحن لذلك نشيد * بقولنا والنشيد