آثرتك ، أيدك اللّه ، ببرهان الحكمة ونسبها ، ومدار الفلسفة وقطبها ، ومرشد الفكر ومناره ، وميزان الحسن ومعياره ، ونافي الشك ومزيله ، وشاهد الأثير ودليله ، مصوّر الحكمة وممثّلها ، ومقسّم البروج ومعدّلها ، وموقّف النجوم ومسيّرها ، وجامع الأقاليم ومدبّرها ، مرآة الحبك ، وصورة الفلك ، وأمين الكواكب ، وحدّ المشارق والمغارب ، مما اخترعت العقول تسطيحه ، وأتقن الحساب تصحيحه ، وتمارت الفطن في ترتيبه ، واصطلحت الحكماء على تركيبه فأوضحت بالنقش تقسيمه ، وأبانت بالكتابة رسومه ، إلى أن شافهنا بالارتفاع على بعد مسافته ، وحصر متفرق الأمور في خرقي عضادته ، واحتوى على قطري الشمال والجنوب ، واطّلع باللطف على خفيّات الغيوب ، الملقب بالأصطرلاب ، الفاصل بين الخطأ والصواب . انتهى من نهاية الأرب .
وقال أبو طالب المأموني في الأصطرلاب :
وشبيه بالشمس يسترق الأن * وار من نور جرمها في خفاء
فتراه أدرى وأعلم منها * وهو في الأرض بالذي في السماء
وقال أيضا في مزولة :
وعالم بالغيب من غير ما * سمع ولا قلب ولا ناظر
يقابل الشمس فيأتي بما * ضمنها من خبر حاضر
كأنها ناجته لما بدا * لعينها بالفكر والخاطر
وألهمته علم ما يحتوي * عليه صدر الفلك الدائر
انتهى من نهاية الأرب .
قال أبو الفتح كشاجم في وصف طرجهارة :
روح من الماء في جسم من الصفر * مؤلّف بلطيف الحسن والفكر
له على الظهر أجفان محجرة * ومقلة دمعها جار على قدر
تنشأ له حركات في أسافله * كأنها حركات الماء في الشجر
وفي أعاليه حساب مفصلة * للناظرين بلا ذهن ولا نظر
إذا بكى دار في أحشائه فلك * خافي المسير وإن لم يبك لم يدر
ومخرج لك بالأجزاء ألطفها * من النهار وقوس الليل في السحر
مترجم عن مواقيت يخبرنا * عنها فيوجد فيها صادق الخبر