وقد تعرض له الحاجة فلا يدخل بيته بل ينقب نقبا في ظهره وينادي بأهله ليخرجوا له ما أراد ، وكانوا يحرمون بعد الإحرام على أنفسهم السمن واللبن والزبد ، ولبس الوبر والشعر والاستظلال به وغزله ونسجه . وكانوا إذا وقف الحاج من العرب في عرفات ، يأبون أن يخرجوا إليها من حرمهم ، فيكتفون بالوقوف عند نمرة تقديسا لحرمهم .
وكانوا يفرضون على مخاليفهم من أهل الحلة أن لا يطوفوا إلا إذا لبسوا ثوبا أحمسيا يشترونه منهم أو يستأجرونه أو يستعيرونه ، فإذا لم يجدوا تعين عليهم أن يطوفوا عرايا نهارا للرجال وليلا للنساء ، وكان بعض فتيان مكة يتربص للنساء العرايا ، فإذا أعجبته إحداهن دخل معها في الطواف عريانا وقد يؤول أمرهما إلى الزواج وقد ألغى الإسلام هذه العادة .
وكانوا إذا بلغت الفتاة سن الزواج ألبسوها ما يزينها وخرجوا بها سافرة إلى المطاف ، ثم أعادوها إلى بيتها لتبقى حبيسة فيه لا تخرج إلا إلى بيت من تزوجها وهم يريدون بطوافها ذلك عرضها سافرة على أعين الخاطبين ، ولعلهم اختاروا المطاف ليأمنوا في جوار البيت نظرات الفاسقين .
وكانوا يختنون أولادهم ويكفنون موتاهم ويغتسلون من الجنابة ، وقد تباعدوا في المناكح من البنت ، وبنت البنت ، والأخت ، وبنت الأخت ، كما يتزوجون بالصداق والشهود ويطلقون ثلاثا . وكانوا يدخلون الكعبة لابسي أحذيتهم حتى سن لهم الوليد بن المغيرة خلعها ، وكانت الحوائض من نسائهم لا يدنين من الكعبة ولا يتمسحن بأصنامها بل يقفن بعيدا عنها .
وشاعت إلى جانب عبادة الأصنام ديانات أخرى أهمها الدهرية التي قال أصحابها : وما يهلكنا إلا الدهر ، والصابئة وهم عبدة الكواكب والنجوم ، ودان بعضهم باليهودية وآخرون بالنصرانية .
وأنكر بعضهم ترهات قومهم من عبادة الأصنام ، وكانوا ينصحون بتركها ويجاهرون بالبحث في ألوهية واحد متفرد بالجلال والعظمة ، ويعترفون بالبعث والنشور والثواب والعقاب .
ويقول أيضا عن الناحية التجارية : كانت مكة بحكم موقعها في طريق تجارة الطيب والغلال وأنواع الأقمشة ، بين دول الجنوب وممالك الشمال ذات مركز استراتيجي ممتاز ، وكانت أسواقها تزدحم بالتجار صاعدين في الشمال إلى الشام
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 16
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص١٦