فضل الحجاز
قال القلقشندي في كتابه صبح الأعشى في الجزء الرابع صحيفة 243 عند الكلام على فضل الحجاز وخواصه وعجائبه ما نصه : أما فضله ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد اللّه الأنصاري رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « غلظ القلوب والجفاء في المشرق ، والإيمان في أهل الحجاز » .
قلت : وفي ذلك دليل صريح لفضل الحجاز نفسه ، وذلك أن هواء كل بلد يؤثر في أهله بحسب ما يقتضيه الهواء ، ولذلك تجد لأهل كل بلد صفات وأحوالا تخصهم ، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن أهل الحجاز بالرقة كما أخبر عن أهل المشرق بالغلظ والجفاء ، وناهيك بفضل الحجاز وشرفه أن به مهبط الوحي ومنبع الرسالة وبه مكة والمدينة اللتين هما أشرف بلاد اللّه تعالى وأجل بقاع الأرض ، ولكل منهما فضل يخصه يأتي الكلام عليه عند ذكره فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .
ثم بعد أن ذكر القلقشندي خواص الحجاز ذكر حدوده وابتداء عمارته وتسميته حجازا فقال ما نصه : أما حدوده فاعلم أن الحجاز عبارة عن مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها على خلاف في بعض ذلك يأتي ذكره في موضعه إن شاء اللّه تعالى ، وهو بجملته من جزيرة العرب ، وهي ما بين بحر القلزم أي البحر الأحمر وبحر الهند وبحر فارس والفرات وبعض بادية الشام .
قال المدائني : جزيرة العرب خمسة أقسام : تهامة ونجد والحجاز والعروض واليمن ، وزاد ابن حوقل في أقسامها بادية العراق وبادية الجزيرة فيما بين دجلة والفرات وبادية الشام ، وفيها خلاف يطول ذكره .
ثم ذكر القلقشندي كلام الإمام النووي عن حدود جبل السراة الذي هو عبارة عن الحجاز لم نذكره لأن ما تقدم يغنى عنه وحتى لا يطول الكلام ، وقد قال : سميت جزيرة العرب ، " جزيرة " لا نجزار الماء عنها حيث لم يمد عليها وإن كان مطيفا بها .
قال القلقشندي : أما ابتداء عمارة الحجاز فإنه لما انبث أولاد سام بن نوح عليه السلام وهم العرب في أقطار هذه الجزيرة حين قسم نوح الأرض بين بنيه - نزل الحجاز منهم من العرب البادية طسم وجديس ( ومنزلهم ) اليمامة ، ونزلت جرهم على القرب من مكة ، فكان ذلك أول عمارة الحجاز بعد الطوفان ، ثم بادت هذه