اللّه أمنها وما * بنيت بعرصتها قصور
ولقد غزاها تبع * فكسا بنايتها الحبير
وأذل ربي ملكه * فيها فأوفى بالنذور
ويظل يطعم أهلها * لحم المهاري والجذور
يسقيهم العسل المصفى * والرحيق من الشعير
والفيل أهلك جيشه * يرمون فيها في الصخور
والملك في أقصى البلاد * وفي الأعاجم والجزور
فاسمع إذا حدثت واف * هم كيف عاقبة الأمور
نقلنا هذه القصيدة من مرآة الحرمين لأيوب صبري .
أهل مكة أدرى بشعابها
هذا مثل عربي قديم وهو مثل شائع إلى اليوم عند جميع الناس ، نحن لم نقف على قائل هذا المثل اللطيف ، ولكنا نحب أن نشرحه هنا بما يظهر معناه . فنقول :
إن مكة ، شرفها اللّه تعالى ، تحيطها الجبال من جميع الجهات ، بل هي واقعة وسط الجبال ، وكان العرب من قديم العصور ، يسكنون حول الكعبة المعظمة بين شعاب هذه الجبال وما أكثر هذه الشعاب ، فالغريب في مكة لا يعرف مساكن العرب بين هذه الشعاب ، وإذا مشى وحده بين هذه الجبال الكثيرة ، ضل وانقطع وهلك من العطش والجوع ، وأما العربي من أهل مكة فهو لا يضل فيها لمعرفته بشعابها ومسالكها ، بل إن بهائمهم من الغنم والجمال إذا ذهبت إلى المرعى في هذه الجبال ، لتعرف كيف تعود وحدها بدون راع إلى منازلها ومرابضها .
إن مكة التي شرفها اللّه تعالى على سائر البقاع ، لم تعرف فيها الشوارع الواسعة والمسالك السهلة العريضة ، إلا بعد القرن التاسع للهجرة تقريبا ، حيث كثر الناس فيها وصاروا يقطعون أشجار الشوك ، ويقطعون الجبال الصغيرة الواقعة في مسالكهم ، ويرفعون الأحجار والأتربة المتراكمة في دروبهم من أثر السيول والإعصار . وفي زماننا هذا سنة ( 1375 ) ألف وثلاثمائة وخمس وسبعين هجرية ، وهي سنة توسعة المسجد الحرام وتوسعة شوارع مكة المكرمة ، قد شاهد الناس كيف يزيلون الجبال ويقطعون الصخور ، ويهدمون المنازل والبيوت في أسرع