وما نظن أن أحدا قبلنا طرق هذا الباب أو بحث عن هذه المسألة مع أنها لا دخل لها في المناسك مطلقا ، فالحمد اللّه رب العالمين أولا وآخرا . هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم .
فعلم من جميع ما تقدم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد أن سكن المدينة إذا قدم مكة لا ينزل في بيوتها ومنازلها . وإنما ينزل بقبته التي تضرب له حيثما كان إلى أن يرجع إلى المدينة ، أي أنه صلى اللّه عليه وسلم ينزل في خبائه الذي يضرب له أينما نزل ، سواء في بطحاء مكة بالحجون ، أو في منى ومزدلفة وعرفات ، فلا يستظل في بيت مبني منذ خروجه من المدينة إلى أن رجع إليها من مكة . فقد تقدم في أول هذا المبحث أن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الفتح : فانزل في بعض بيوت مكة في غير منزلك . فأبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : لا أدخل البيوت . فلم يزل مضطربا بالحجون لم يدخل بيتا ، وكان يأتي المسجد من الحجون لكل صلاة .
فهذا أعظم دليل على زهده وتواضعه صلى اللّه عليه وسلم في بلد اللّه الأمين ومشاعر الحج ، فإنه أتى إليها للنسك لا للإقامة ، والنسك عبارة عن التجرد ومخالفة العادات المألوفة . ولو أمعنا النظر قليلا لوجدنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حجته قد تعرض كثيرا للشمس بمكة ومنى وعرفات ، فأين عهدنا من ذلك العهد النبوي المشرق ، وأين عصرنا من ذلك العصر المبارك الأنور .
ثم رأينا ما يؤيد كلامنا هذا في المجموع شرح المهذب للإمام النووي رحمه اللّه تعالى فإنه قال فيه بصحيفة 117 من الجزء الثامن ما يأتي :
إن الأفضل للواقف أن لا يستظل بل يبرز للشمس ، إلا للعذر بأن يتضرر أو ينقص دعاؤه أو اجتهاده في الأذكار ، ولم ينقل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم استظل بعرفات ، مع ثبوت الحديث في صحيح مسلم وغيره عن أم الحصين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم « ظلل عليه بثوب وهو يرمي الجمرة » وقد قدمنا بيان مذهبنا عندما في استظلال المحرم بغير عرفات في باب الإحرام واللّه تعالى أعلم . انتهى .
اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الكريم ، الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وعلى آله وذريته وصحابته الطيبين الطاهرين ، واجزه عنا أفضل ما جازيت نبيا عن قومه ورسولا عن أمته ، وأعطه الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود . ولا تحرمنا شفاعته الثابتة التي أتحفته وخصصته بها
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
، وتداركنا في تلك الساعة وفي ذلك اليوم