منزلة عند اللّه لما ثبت في الصحيحين من أنه يدخل الجنة من جميع أبوابها كما تقدم لنا في هذا الكتاب مع تبشيره بالجنة كسائر من بشر بها ، ودفنه مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في مكان واحد ، ومنها محبة أبي بكر للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأدبه معه وإيثاره له على نفسه ، ومنها أدب الأكل والشرب واستحباب التنظيف لما يؤكل ويشرب . ومنها استصحاب آلة السفر كالإداوة والسفرة ولا يقدح ذلك في التوكل . ومنها جواز شرب اللبن الذي يحلبه الراعي للمسافر إذا جرت العادة بالمسامحة فيه كما هو عادة العرب في ذلك الزمن . وفي فتح الباري قال المهلب بن أبي صفرة : إنما شرب النبي صلى اللّه عليه وسلم من لبن تلك الغنم ؛ لأنه كان حينئذ في زمن المكارمة ، ولا يعارضه حديث :
« لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه » ؛ لأن ذلك وقع في زمن التشاح ، أو الثاني محمول على التسور والاختلاس ، والأول لم يقع فيه ذلك ، بل قدم أبو بكر سؤال الراعي : هل أنت حالب ؟ فقال : نعم . كأنه سأله هل أذن لك صاحب الغنم في حلبها لمن يرد عليك ؟ فقال : نعم . أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك ، والإذن في الحلب على المار ، ولابن السبيل . فكأن كل راع مأذونا له في ذلك .
وقال الداودي : إنما شرب من ذلك على أنه ابن سبيل وله شرب ذلك إذا احتاج ، ولا سيما النبي صلى اللّه عليه وسلم . وأبعد من قال إنما استجازه ؛ لأنه مال حربي ؛ لأن القتال لم يكن فرض بعد ، ولا أبيحت الغنائم . وللمالكية في هذه المسألة تفصيل منسوب للخمي نظمه صاحب سلم القضاة إلى منازل نوازل الرعاة . من علماء قطرنا بقوله :
سقى الرعاة من لقوا من لبن * مرعيهم مالك لا يعجبن
يريد يكره إذا ما غلبا * إباحة الناس لما قد حلبا
وليس يكره ولكن يحرم * إن كان لا يبيح أكثرهم
وإن أباحوا لبن المرعى * لم يكره التفصيل للخمي
وحديث المتن كما أخرجه الشيخان أخرجه الترمذي في كتاب التفسير من سننه . انتهى كل ذلك من زاد المسلم .