كسائر الأمم المكذبة ، ولأن اللّه أقسم بحياته وأقسم على رسالته ، وتولى الرد على أعدائه عنه ، وخاطبه بألطف ما خاطب به الأنبياء ، وقرن اسمه باسمه في كتابه ، وفرض على العالم طاعته والتأسي به فرضا مطلقا لا شرط فيه ولا استثناء ، ووصفه في كتابه عضوا عضوا : قلبه بقوله :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
، وقوله :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ
، ولسانه بقوله :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
، وقوله :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ
، وبصره بقوله :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
، ووجهه بقوله :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
، ويده وعنقه بقوله :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
، وظهره وصدره بقوله :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
، كذا في المواهب اللدنية ، ولم يخاطبه في القرآن باسمه بل بأيها النبي ، يا أيها الرسول ، وحرم على الأمة ندائه باسمه ، وفرض على من ناجاه أن يقدم بين يدي نجواه صدقة ثم نسخ ذلك ، ولم يره في أمته شيئا يسوءه حتى قبضه بخلاف سائر الأنبياء ، وأنه حبيب الرحمن وجمع له بين المحبة والخلة وبين الكلام والرؤية وكلمه عند سدرة المنتهى وكلم موسى بالجبل ، عد هذه ابن عبد السلام ، وجمع بين القبلتين والهجرتين ، وجمعت له الشريعة والحقيقة ولم يكن للأنبياء إلا إحداهما ، بدليل قصة موسى مع الخضر ، وقوله : إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه وأنت على علم لا ينبغي أن أعلمه ، ونصر بالرعب مسيرة شهر أمامه وشهر خلفه ، وأوتي جوامع الكلم ، وأوتي مفاتيح خزائن الأرض ، ولقيه الخازن على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس ، وكلم بأصناف جميع الوحي ، عد هذه ابن عبد السلام ، وهبط إسرافيل عليه ولم يهبط على نبي قبله ، عد هذه ابن سبع ، وجمع له بين النبوة والسلطنة ولم يجمع لنبي قبله ، عد هذه الغزالي في الإحياء ، وأوتي علم كل شيء إلا الخمس التي في آية :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
، وقيل إنه أوتيها أيضا ، وأمر بكتمها ، والخلاف جار في الروح أيضا ، وبين له في أمر الدجال ما لم يبين لأحد ، ووعد بالمغفرة وهو يمشي حيا صحيحا ، ورفع ذكره فلا يذكر اللّه جل جلاله في أذان ولا خطبة ولا تشهد إلا ذكر معه ، وعرض عليه أمته بأسرهم حتى رآهم ، وعرض عليه ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة ، وهو سيد ولد آدم وأكرم الخلق على اللّه ، فهو أفضل من المرسلين وجميع الملائكة المقربين ، وأيد بأربعة وزراء جبريل وميكائيل وأبي بكر وعمر ، وأعطي من أصحابه أربعة عشر نجيبا وكل نبي أعطي سبعة ، وأسلم قرينه وكانت أزواجه عونا له ، وبناته وزوجاته أفضل نساء العالمين ،