قال رجل للحسن بن وهب : إن أبا تمام سرق من رجل يقال له مكنف من ولد زهير بن أبي سلمى ، وهو رجل من أهل الجزيرة قصيدته التي يقول فيها :
كأنّ بني القعقاع يوم وفاته
نجوم سماء خرّ من بينها البدر
توفّيت الآمال بعد محمد
وأصبح في شغل عن السّفر السّفر
فقال الحسن : هذا دعبل حكاه ، وأشاعه في الناس ، وقد كذب ، وشعر مكنف عندي ، ثم أخرجه ، وأخرج هذه القصيدة بعينها ، فقرأها الرجل فلم يجد فيها شيئا مما قاله أبو تمام في قصيدته : ثم دخل دعبل [ 1 ] على الحسن بن وهب ، فقال له : يا أبا عليّ ، بلغني أنك قلت في أبي تمام كيت وكيت ، فهبه سرق هذه القصيدة كلَّها ، وقبلنا قولك فيه ، أسرق شعره كلَّه ؟ أتحسن أنت أن تقول كما قال :
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي
ومحّت كما محّت وشائع من برد [ 2 ]
وأنجدتم من بعد اتهام داركم
فيا دمع أنجدني على ساكني نجد ؟
فانخزل دعبل واستحيا ، فقال له الحسن : الندم توبة ، وهذا الرجل قد توفّي ، / ولعلك كنت تعاديه في الدنيا حسدا على حظَّه منها ، وقد مات الآن ، فحسبك من ذكره ، فقال له : أصدقك يا أبا عليّ ، ما كان بيني وبينه شيء قط إلا أني سألته أن ينزل لي عن شيء استحسنته من شعره ، فبخل عليّ به ، وأما الآن فأمسك عن ذكره ، فجعل الحسن يضحك من قوله واعترافه بما اعترف به .
يعير حماد :
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء : قال : حدّثنا إسحاق بن محمد النّخعي : قال :
كتب إبراهيم بن محمد بن أبي محمد اليزيدي إلى محمد بن حماد الكاتب يهجوه ، ويعيره بعشق الحسن بن إبراهيم بن رباح والحسن بن وهب جاريته وتغايرهما عليها :
لي خليطان محكمان يجيدا
ن لما يعملانه حاذقان
واحد يعمل القسيّ فيأ
تيك بها في استقامة الميزان
وفتى يعمل السكاكين في القر
ن مقرّ بحذقه الثّقلان
وهما يطلبان قرنا على رأ
سك فانظر في بعض ما يسألان
قلت : هل يؤلم الفتى قطع ما
فيه تريدان أيها الفتيان ؟
فأجابا بلطف قول وفهم
قم فإنّا إذا لنوكي مدان [ 3 ]
فاقطع الآن ما برأسك منها
إن فيما ترى لمحض بيان
هامش
[ 1 ] في هج : « ثم دخل على تفيئة ذلك دعبل » وتفيئة الشيء : زمانه .
[ 2 ] مح الثوب : بلي والفعل يمح ، والوشيعة : المكوك .
[ 3 ] نوكي : جمع أنوك ، وبنو المدان : هجاهم حسان بالحمق ثم مدحهم بالفصاحة والطول .