ذلك الماء وهو ماء الأطواء [ 1 ] ، يتفيئون بنخل متأخّر عن الماء قدر رمية سهم . فأقبل يمشي متلثّما ، وقد وضع سيفه وقوسه ونبله فيما بينه وبين صاحبه ، فلما برز للقوم مشى رويدا مشتملا ، فقال بعض القوم : من ترون الرجل ؟
فقالوا : نراه بعض بني مدلج بن مرة .
ثم قالوا لبعضهم : الق الفتى ، فاعرفه ، فقال لهم : ما تريدون بذلك الرجل ؟ هو آتيكم إذا شرب ، فدعوه فليس بمفيتنا ، فأقبل يمشي حتى رمى برأسه في الحوض مدبرا عنهم بوجهه ، فلما روي أفرغ على رأسه من الماء ، ثم أعاد نقابه ، ورجع في طريقه رويدا ، فصاح القوم بعبد لهم كان على الماء : هل عرفت الرجل الذي صدر ؟ قال : لا ، فقالوا : فهل رأيت وجهه ؟ قال : نعم ، هو مشقوق الشّفة ، فقالوا : هذا الأعلم ، وقد صار بينه وبين الماء مقدار رمية سهم آخر ، فعدوا في أثره ، وفيهم رجل يقال له : جذيمة ليس في القوم مثله عدوا ، فأغروه به ، وطردوه فأعجزهم ، ومرّ على سيفه وقوسه ونبله ، فأخذه ، ثم مرّ بصاحبيه فصاح بهما فضبرا [ 2 ] معه ، فأعجزوهم ، فقال الأعلم في ذلك :
/
لما رأيت القوم بال
علياء دون قدي [ 3 ] المناصب [ 4 ]
وفريت [ 5 ] من فزع فلا
أرمي ولا ودّعت صاحب
/ يغرون صاحبهم بنا
جهدا وأغري غير كاذب [ 6 ]
أغري أخي [ 7 ] صخرا ليع
جزهم ومدّوا بالحلائب [ 8 ]
وخشيت وقع ضريبة [ 9 ]
قد جرّبت كلّ التجارب
فأكون صيدهم بها
وأصير [ 10 ] للضّبع السّواغب
جزرا وللطير المربّ
ة [ 11 ] والذئاب وللثّعالب
/ وهي قصيدة طويلة .
هامش
[ 1 ] كذا في « شرح السكري لديوان الهذليين » ، ولعل المراد بالأطواء قرية باليمامة أو مياه لبني عامر ، وفي س ، ب : « أطوافهم » ، ولم نعثر له على معنى .
[ 2 ] ضبرا معه : عدوا معه .
[ 3 ] كذا في ف و « الديوان » ومعناه قدر ، وفي س ، ب : قرى ، وهو تحريف . والمناصب : الأغراض والمرامي .
[ 4 ] المناصب : المباري المنافس .
[ 5 ] فريت : تحيرت ودهشت .
[ 6 ] في هج ، هد : وأغرى كل كاذب .
[ 7 ] في « الديوان » : « أبا وهب » .
[ 8 ] الحلائب : الجماعات جمع حلبة غير قياس .
[ 9 ] ضريبة : سيف .
[ 10 ] كذا في « الديوان » وفي النسخ : الذئب بدل وأصير .
[ 11 ] المربة : المقيمة الملازمة .