كل مطلع ، حيث « لاتُبْقِي وَلاتَذَرُ . لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ . . . » ! وقد يوصف المغموم بالكرب ، والمضغوط بالخطب بأنه في غمرات الموت ، مبالغة في عظيم ما يغشاه ، وأليم ما يلقاه .
وترى إذا « ما هُوَ بِمَيِّتٍ » فأين موت النار بمن في النار صيانة على العدالة الربانية ؟ ان « كل مكان » هنا هي مكانات الجحيم ، فما دام الجحيم « يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ » منها ، فإذا زال الجحيم فلامكان - إذا - يأتيه الموت منه ، ولا هو كائن حتى يأتيه الموت ! .
ثم الموت الآتي من قبل اللَّه حين ختام العذاب العدل ، ليس هو من أيمكان فضلا عن كل مكان ، وانما هو من خالق الزمان والمكان ولذلك يؤثر أثره ، دون سائر عوامل الموت حين لا يريد اللَّه تأثيراتها في الموت .
ومن ثم فالظاهر من « كُلِّ مَكانٍ » هنا مكانات الجحيم البرزخية ، ثم « مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ » في الجحيم الأخروية .
إذا فلا دلالة ولا إشارة في « وَما هُوَ بِمَيِّتٍ » إلى فرية معروفة على اللَّه ان أهل النار مؤبدون فيها إلى غير النهاية ! مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لايَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) .
« الَّذِينَ كَفَرُوا » باللَّه وآياته قلبا وقالبا « أعمالهم » قالبا وقلبا « كرماد . . » فطالحات أعمالهم هباء دونما حاجة إلى إهباء وإحباط ، وصالحات اعمالهم حابطة لأنها خابطة دون رباط بإيمان .
ولماذا « مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ . . » إبدالا ، دون « مثل أعمال الذين كفروا » ؟
علّه تعبير عن احتصار كيانهم الكافر في اعمالهم الكافرة ، باطنة وظاهرة ، علما وعقيدة وطوية ونية ، ثم بروزا لما في الجوانح في الجوارح ، فقد استأصل ذلك المثل كيانهم - ككل - في اعمالهم الهباء الخواء ، حيث اللَّه منها براء : « وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً » ( 25 : 23 ) . إذاً « فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً » ( 18 : 105 ) إذ خفت موازينهم ! فمثل هذه الأعمال الخاوية عن الإيمان ، كرماد مركوم ، متصلة الظواهر ، منفصلة بعضها عن
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 78
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٧٨