وليس سحابا عارضا ، وإنما من ثخنها وتكاثفها خيّل إليهم انها سحاب « رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ » : تحمل أليم العذاب .
. . . وإنها « ريح صرصر عاتية . سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ » ( 69 : 8 ) .
« وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ » ( 51 : 42 ) وهي ريح : « تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لايُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الُمجْرِمِينَ » :
تستقبلهم عاصفة مدمرة مزمجرة ، وقد بلغوا في حمقهم لعمقهم أن حسبوها عارضة ممطرة ، وهم أولاء ضحايا الزمجرة ، فانحسموا حسوما صرعى كأنهم اعجاز نخل خاوية ، ورمم بالية « فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ » ؟ اللهم لا إلا باغية ! .
إن الصرصر العاتية دمرتهم - كما تدمر كل شيء - بحيث لا يرى إلا مساكنهم :
الأحقاف المبنية عليها ارمهم وبيوتهم ، فالتدمير الاستئصال هو من طبيعة الريح الصرصر العقيم العاتية « ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ » فهل إنها ما أتت بيوتهم حين أتتهم ؟ ! أو أنها لم تكن شيئا حتى تدمره ، أو أنها في غير رميمها تحولت معهم رميما فلا يرى إلا الرميم ، مساكن وأجسادا ، أو بقيت من مساكنهم ما تدل على تدمرهم وتذمرهم ، وعلة أولى لما قدمناه * .
ومن عجيب الأمر انها « خرجت في مثل خرق الإبرة . . » أو « مثل الخاتم » *
فدمرت أشياءهم وإياهم و « كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الُمجْرِمِينَ » في دنياهم ، فأولى لهم في أخراهم ! .
وترى هل كان هؤلاء الأغبياء ضعفاء ولذلك حسموا ؟ كلا ! وإنهم كانوا أقوى الأقوياء
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 445
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٤٥