عقب ، وكأنهم هم الصادقون في ايمانهم إذ لا يؤمنون بمن يفتري على اللّه كذبا ، فليشكرهم اللّه على ذلك ويشكرهم الشاكرون ! ولما وصلت حالتهم البئيسة التعيسة الآية هذه الهارفة النحيسة ، حيث صمت آذان قلوبهم وعميت ابصارها .
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ 39 .
نصرة كما نصر نوح على قومه الظالمين مهما اختلفت صورتها ، فطمأنه ربه بالإجابة :
قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ 40 .
وماذا تفيدهم الندامة والإيمان - لو آمنوا - عند رؤية بأسهم ؟ ! فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 41 .
« بالحق » هنا قد تعني بسبب الوعد الحق ، أو مصاحبة الحق الذي رفضوه ، أو الحق الذي وعدوه ، والصيحة هي التي جعلتهم كالرميم ، حيث خلّفت الريح العقيم « وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ . ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ » ( 51 : 42 ) .
والغثاء هي هشيم الأوراق : « إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الُمحْتَظِرِ » ( 54 : 31 ) فقد عاجلهم اللّه بهلاك الاستئصال فطاحوا كما يطيح الغثاء إذا سال به السيل الجارف ، حيث الغثاء ما حملت السيول في ممرها من أضغاث النبات وهشيمها ، فكأنهم هلكوا ولم يحس لهم اثر كما لا يحس اثر ما طاح به السيل من غثاء ، فجعلناهم كالغثاء الطافح في سرعة انجفاله وهوان فقدانه واضمحلاله « فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ » ؟
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ 42 .
كثمود قوم صالح وسائر الفراعنة والنماردة المعرقلة لمسير الرسالات .
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ 43 .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 373
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٧٣