« قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً » .
عرض نموذجي لما بلغه نوح من رسالات اللّه ، وما لاقاه وعاناه من قومه طوال الدعوة مع ما كان منه من صبر على ألوان الأذى طوال الف سنة إلا خمسين عاما :
« وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى » ( 53 : 52 ) .
هذه الدعوة كانت متواصلة ليل نهار دون ملل ولا كلل ولا خلل ، دون أن يمله عدم الإجابة ، أو تكلّه مواصلة الأذى ، يعرضها نوح في نهاية الأمد الطويل من دعوته ومستهل دعائه عليهم بعد الإياس من خيرهم والتأكد من شرهم ومن في أصلابهم .
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً : هل لأن دعوته كانت قاسية يفر منها ؟ أم لأنها كانت ناقصة لا تحمل حججا تقبلها الفطر والعقول ؟ أم لأنهم هم كانوا اظلم واطغى ، ودعوة الحق لا تزيد دعاة الباطل العنيدين إلا ضلالا بما يصرون في عتوهم ونفورهم ونكيرهم للحق الصراح :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلايَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( 17 : 82 ) إذ يخسرون فيها الدعوة والداعي ويبدلون الرحمة عذابا وخسارا : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 2 : 10 )
وانما زيادته بظهوره عند ظهور الحق ووفوره عند نكيره .
إنه لا بد للدعوة الحقة من زيادة ، إما في الهدى ، أو في الضلال ، وأما ألا تؤثر لا إثباتا ولا نفيا ؟ فلا ! ولا بد من مواصلة الدعوة ليل نهار واثباتا للحجة تنويرا للمهجة لكي تصبح نورا للمهتدين ونارا على المعتدين جزاء وفاقا .
إنهم كانوا يفرون عن دعائه وعن إجابة الحق ، ولكن نوحا لم يكن ليذرهم يفرون إلا ويلاحقهم أينما كانوا ، فما استطاعوا بالفرار بعدا عن دعائه ، لذلك احتالوا حيلا أخرى ليفروا عن سماع الحق في فرارهم على قرارهم ، بملاحقته إياهم :
« وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً » :
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 337
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٣٧