وربّ قرن فصلت عظامه
ثم قال له السّلامي : أأطرفك [ 1 ] ؟ ثم رماه في عينه فقال الشنفري له : كأنّ كنّا نفعل أي كذلك كنّا نفعل ، وكان الشنفري إذا رمى رجلا منهم قال له : أأطرفك ؟ ثم يرمي عينه . ثم قالوا له حين أرادوا قتله : أين نقبرك ؟ فقال :
لا تقبروني إنّ قبري محرّم
عليكم ولكن أبشري أمّ عامر [ 2 ]
إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري
وغودر عند الملتقى ثمّ سائري [ 3 ]
هنالك لا أرجو حياة تسرّني
سمير الليالي مبسلا بالجرائر [ 4 ]
تأبط شرا يرثيه
: وقال تأبّط شرّا يرثي الشّنفري :
على الشّنفري سارى الغمام ورائح
غزير الكلى ، وصيّب الماء باكر [ 5 ]
/ عليك جزاء مثل يومك بالجبا
وقد أرعفت منك السّيوف البواتر [ 5 ]
ويومك يوم العيكتين وعطفة
عطفت وقد مسّ القلوب الحناجر [ 6 ]
تجول ببزّ الموت فيهم كأنهم
بشوكتك الحدّى ضئين نوافر [ 7 ]
فإنك لو لاقيتني بعد ما ترى -
وهل يلقين من غيّبته المقابر - [ 8 ]
لألفيتني في غارة أنتمي بها
إليك وإمّا راجعا أنا ثائر [ 9 ]
وإن تك مأسورا وظلت مخيّما
وأبليت حتى ما يكيدك واتر [ 10 ]
وحتى رماك الشّيب في الرأس عانسا
وخيرك مبسوط وزادك حاضر [ 11 ]
هامش
[ 1 ] طرف عينه : أدخل فيها ما جعلها تدمع .
[ 2 ] البيت من الطويل دخله الخرم ، أم عامر : كنية الضبع ، يريد ألا يقبروه ، بل يتركوه للضبع تأكل لحمه .
( 3 - 4 ) سائري : ما بقي مني ، سمير الليالي : طول الليالي ، مبسلا بالجرائر : مرهونا بآثامي وجرائمي ، يقول : إذا قتلت ، فقطع رأسي ، وغودر جسمي فما حاجتي إلى قبر أحيا فيه حياة أخرى مثقلا بجرائمي إلى الأبد ؟ وقوله : وفي الرأس أكثري ، يريد به أن الرأس وحده يرجح باقي جسمه لكبره ، أو لما يحتويه من الحواس ، وفاعل احتملت ضمير أم عامر ، أو القبيلة التي قتلته ، وقد ضبط هذا الفعل مبنيا للمجهول في بعض الأصول ، ويلزم عليه تأنيث الرأس ، مع أنه مذكر .
[ 4 ] الكلى : جمع كلوة ، وتطلق على أسفل السحاب ، يدعو له بأن يسقي قبره ساري الغمام والسحاب الغزير الماء .
[ 5 ] الجبا : مكان كانت فيه - على ما يبدو - موقعة للشنفري ، أرعفت منك السيوف البواتر : قطرت دما منك السيوف القواطع ، يقول :
عليك جزاء من الغيث بمقدار ما أسالته سيوفك من الدم في هذا اليوم .
[ 6 ] العيكتين : جبلين ، ويومك : معطوف على يومك في البيت قبله ، وعطفة : معطوف أيضا ، بعدد أيامه التي أبلى فيها ، وقوله :« وقد مس القلوب الحناجر »، يريد به أن الأصوات في الحرب كانت تمس شغاف القلوب من وقع تأثيرها .
[ 7 ] البز - بفتح الباء وكسرها - : السلاح ، والحدى : مؤنث الأحد بمعنى المرهف الحد ، والضئين : جمع ضائن ، وهو ما عدا الماعز من الغنم ، يقول : كأن الأعداء ينفرون من سلاحك نفور النعاج والخراف .
( 8 - 9 ) جملة :« وهل يلقين من غيبته المقابر ؟ »اعتراض بين الشرط وجوابه ، أنتمي : أنتسب ، ثائر : آخذ بالثأر ، يقول : إنني بعد موتك إما مقدم على غارة ، أو راجع من ثأر ، كما كنت تفعل في حياتك .
( 10 - 11 ) هذان البيتان متعلقان بما قبلهما ، أي أنا أفعل كذا وكذا وإن كنت أنت أسير قبرك ، مخيما فيه ، بعد أن أبليت في الحروب ، حتى لم يكن ينال منك واتر ، وحتى رماك الشيب ، وأنت عانس - والعانس : الجمل السمين - وكان خيرك فياضا ، وزادك مبذولا للضيفان ، وقد يكون المراد بقوله : « عانسا » لم تتزوج ، فإن هذا الوصف يطلق على الذكر والأنثى على السواء .