مصدَره ، متجهاً إلى اللَّه ، منفقاً له في مرضات اللَّه ، مقرِّباً له إلى اللَّه ، دونما صدٍّ للقلب عن اللَّه ، زائغاً عن مصدره ومورده ، لا يثمر إلّا شقاوة ، لأنه منقطع الصلة صادراً ووارداً ، وبعيداً عن النور مادة .
وهنا نعرف موقف الواو في « وقالا . . . » كأنها عطف على محذوف معروف من « علماً » هذا ، وهو العقيدة الصالحة والعمل الصالح : « آتينا علماً » - فاعتقداه وعملا به « وقالا الحمد للَّه . . » فذلك الحمد باللسان يتبع الحمد بالجنان والأركان ، شكرا على عطية المَلِك المنان ، و « فضلنا » ليس فقط في مجرد العلم ، إذ لا فضل في مجرده عن أثماره ، بل هو الذي قال اللَّه عنه « انما يخشى اللَّه من عباده العلماء » - : باللَّه و « ان أكرمكم عند اللَّه اتقاكم » علم التقوى والتقوى في العلم جناحان يطير بهما العبد الصالح إلى قمم المعرفة والكمال .
ثم وليس « فضلنا » هنا - فقط - بما علمنا مجرداً عما يرام منه مادة وفاعلية ، بل « فضلنا » بما يفضِّل عباداً على عباد وقمتهُ التقوى ، و « على كثير من عباده المؤمنين » تعقيبة رقيبة على ذلك التفضيل في علم وسواه ، انه في العبودية والايمان ، دون العلم الفاضي عنهما ، وانما هو الفائض منهما ، الصادر عنهما ، والوارد موارد الحق المُرام فيهما .
ولقد أشير إلى العلم المؤتى لداود في « وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب » « 1 » ولسليمان « ففهمناها سليمان وكلًا آتينا حكماً وعلماً » « 2 » فيهما المؤتَيان حكماً وعلماً ، يشملان قمماً معرفية فُضِّلا بها على كثير من عبادة المؤمنين .
اجل وهم من القلة القليلة بين « عبادة المؤمنين » : « أولئك المقربون . في جنات النعيم . ثلة من الأولين ، وقليل من الآخرين » « 3 » فتلك الثلة وهذه القلة القليلة « من عباده المؤمنين » .
ومن فضل داود المشار إليه ب « فضلنا » : « ولقد آتينا داود منا فضلًا يا جبال أو بي معه والطير وألنَّا له الحديد » « 4 » « ولسليمان الريح عدوها شهر ورواحها شهر » . « 5 »
هامش
( 1 ) . 38 : 20
( 2 ) . 21 : 79
( 3 ) . 56 : 14
( 4 ) . 10
( 5 ) 34 12