فتلك النجاة ، الخارقة لكل العادات ، الحارقة لنمرود وزمرته ، إنها طرف طريف من ذلك الملك الروحي ، الذي لا يوجد في اي ملك زمني منفصل عن الوحي ، ولا سيما منعزل عن حق الملك كنمرود .
فقد تميز نمرود غيضاً ، فتحيز فرصة أخرى بحجاجة اللجاج ، تعمية لتلك الخارقة الكبرى ، وتدجيلًا عليه مرة أخرى فحاجه في ربه ، وفي النهاية « فبهت الذي كفر » مرة أخرى بعد الأولى ، فلا السلطة الزمنية النمرودية قدرت على إحراقه ، ولا حجاجه اللجاج ، سيطرت على دمغه وإحراجه ، فنجاه اللَّه سليماً في كلتا المرحلتين ، ثم هم أولاء الأنكاد الأوغاد « فجعلناهم الأخسرين » ! .
وقد تعني « ان آتاه اللَّه الملك » « الذي حاج إبراهيم في ربه » وقد يقربه ادبياً انه هنا محور الكلام ، ف « أن اتاه » تعلل حجاجه بما آتاه اللَّه ، مهما كان أبعد مرجعاً .
ثم القيادة الروحية لا تسمى مُلكاً مهما كانت هي حق المُلك وحقيقته ، حيث المُلك ظاهر في واقع السلطة الملموسة ، والسلطة الروحية على واقعها ليست ملموسة ، بل وهي دوماً تعيش تحت ضغوط السلطات الظالمة الزمنية .
ولكن كيف « آتاه اللَّه الملك » ولا يؤتى مُلك اللَّه إلا من يحق له ويستحقه ؟ .
إن إيتاء الملك هنا تكويني وليس تشريعياً وبينهما عموم من وجه : تكويني لا تشريعي كما هنا ، بمعنى انه لا يمنعه اللَّه عن الملك مهما منعه تشريعاً حيث الدار دار الاختيار .
ثم تشريعي لا يوافقه التكوين كالقيادات الروحية في المعصومين ، أئمة ونبيين ، الذين صدّ بينهم وبين سلطاتهم الزمنية ، الشيطنات المدروسة من أصحاب السلطات الزمنية .
ثم الجمع بينهما كالذين ذكرناهم من ذي قبل ، فداود عليه السلام ومن أشبهه جُمع له القيادتان .
ثم تكويني يوافق التشريع ولكنه ليست قيادة رسالية ، كمثل طالوت الذي آتاه اللَّه
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 43
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٣