فلتعرف أولًا من أنت ، هل أنت - / فقط - / هذا البعد الحيواني ، وكما أكثر الناس يظنون ، « يَعْلَمُونَ ظهِرًا مّنَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ هُمْ غفِلُونَ » ( 30 : 7 ) أولئك الذين يستعمرون كافة طاقاتهم المادية والمعنوية للشهوات والحيونات ، إذ ضلوا عن أنفسهم فظلوا عاكفين على حيوناتهم ف « لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان امره فرطاً » ( 18 :
27 ) وذلك رأس كل خطيئة .
أم أنت الروح الانساني كما هو مكتوب في كتاب الفطرة ، فما الانسان الا عقلًا فاهماً ، وما قيمته الا قدر عقله ، فلتكرِّس كافة طاقاتك مادية ومعنوية في ترقية روحك .
ولما وجدت نفسكَ مَن أنت ، تحب نفسك كما أنت ، وذلك الوجدان والحب يدفعانك إلى محبوب مطلق وموجود مطلق ، هو المنطَلق لكل محب وموجود ، وهو اللَّه تعالى شأنه .
فمعرفة النفس بالحيوانية فحبها هي الكفر بالله وبغضه ، ولكن معرفتها بالروحانية وحبّها بها هي معرفة اللَّه وحبّه .
فمن وجد نفسه كواقع الحق فقد وجد ربه ، ومن ضل عن نفسه فقد ضل عن ربه ، وكلما ازداد الانسان معرفة صالحة بنفسه ازداد معرفة بربه ، فحين يعرف نفسه أنه لا شئ في ذاته ، يعرف اللَّه وانه مصدر كل شئ ، فقرٌ مطلق يتعلق بغنىً مطلقة : « يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد » - / « ففِروا إلى اللَّه اني لكم منه نذير مبين » .
ثم الوجه من كل شىءٍ ما يواجِه به شيئاً أو يواجَه اليه ، فتخلف وجوهه حسب اختلاف كيان المواجِه والمواجَه اليه .
فإذا كان المواجَه اليه من عالم المادة فوجه الانسان الموجَّه اليه هو بُعده المادي ، سواء الوجه المعروف منه كعضو بين الأعضاء ك « اذْهَبُوا بِقَمِيصِى هذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا » ( 12 : 93 )
أم ظاهر المقاديم من بدنه كما يتجه إلى القبلة « فولّ وجهك شطر المسجد الحرام » ( 3 : 144 ) ، أم البدن كله حيث يواجه حريقاً شاملًا يحرقه ظاهراً وباطناً ، فكما وجه النار هنا هو كلها كذلك وجه الانسان المحترق بالنار هو كله ، ووجه الأرض ككل هو ظاهر الكرة
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 103
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٠٣