أشعر ما قيل في الغيرة قول مسكين الدارمي :
ألا أيها الغائر المستش
يط فيم تغار إذا لم تغر ؟
فما خير عرس إذا خفتها
وما خير عرس إذا لم تزر ؟
/ تغار على الناس أن ينظروا
وهل يفتن الصالحات النظر ؟
وإني سأخلي لها بيتها
فتحفظ لي نفسها أو تذر
إذا اللَّه لم يعطني حبّها
فلن يعطي الحبّ سوط ممرّ [ 1 ]
يأبي معاوية أن يفرض له : ثم يعود فيجيبه إلى طلبه :
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال : حدّثني عبد اللَّه بن عمرو بن أبي سعد قال : حدّثني عبد اللَّه بن مالك الخزاعي قال : حدّثني عبد اللَّه بن بشير قال : أخبرني أيوب بن أبي أيوب السعديّ قال :
لما قدم مسكين الدارميّ على معاوية فسأله أن يفرض له فأبى عليه ، وكان لا يفرض إلَّا لليمن ، فخرج من عنده مسكين وهو يقول :
أخاك أخاك إن من لا أخاله
كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وإن ابن عم المرء فأعلم جناحه
وهل ينهض البازي بغير جناح ؟
وما طالب الحاجات إلَّا مغرّر [ 2 ]
وما نال شيئا طالب كنجاح [ 3 ]
/ قال السعديّ : فلم يزل معاوية كذلك حتى غزت اليمن وكثرت ، وضعضعت عدنان ، فبلغ معاوية أن رجلا من أهل اليمن قال يوما : لهممت [ 4 ] ألا أدع بالشأم أحدا من مضر ، بل هممت ألَّا أحل حبوتي حتى أخرج كل نزاريّ بالشأم ، فبلغت معاوية ، ففرض من وقته لأربعة آلاف رجل من قيس سوى خندف ، وقدم على تفئية [ 5 ] ذلك عطارد بن حاجب على معاوية ، فقال له : ما فعل الفتى الدارميّ الصبيح الوجه الفصيح / اللسان ؟ يعني مسكينا ، فقال :
صالح : يا أمير المؤمنين ، فقال : أعلمه أني قد فرضت له في شرف العطاء وهو في بلاده ؛ فإن شاء أن يقيم بها أو عندنا فليفعل ، فإنّ عطاءه سيأتيه ، وبشّره أني قد فرضت لأربعة آلاف من قومه من خندف ؛ قال : وكان معاوية بعد ذلك يغزي اليمن في البحر ، ويغزي قيسا في البرّ ، فقال شاعر اليمن :
ألا أيها القوم الذين تجمعوا
بعكَّا أناس أنتم أم أباعر ؟
أتترك قيس آمنين بدارهم
ونركب ظهر البحر والبحر زاخر ؟
فو اللَّه ما أدري وإني لسائل
أهمدان يحمى ضيمها أم يحابر ؟
هامش
[ 1 ] ممر : مفتول فتلا شديدا .
[ 2 ] في « خزانة الأدب » 3 : 60 : « معذب » .
[ 3 ] كذا في المصدر السابق . وفي س ، ب : « كجناح » .
[ 4 ] وفي س : « لممت » ، تحريف .
[ 5 ] على تفيئة : على أثر .