و كذا إذا كان قلبك عند نيّة الصلاة منهمكاً في امور الدنيا والتهالك عليها والانبعاث في طلبها ، فلايتيسّر لك توجّه بالكلّية إلى الصلاة ، وتحصيل الميل الصادق إليها ، والإقبال الحقيقي عليها ، بل يكون دخولك فيها دخول متكلِّف لها ، متبرّم بها ، ويكون قولك : اصلّي قربةً إلى اللَّه كقول الشبعان : أشتهي الطعام ، وقول المقارع : أعشق فلاناً مثلًا .
والحاصل أنّه لا يحصل لك النيّة الكاملة المعتدّ بها في العبادات من دون ذلك الميل والإقبال ، وقمع ما يضادّه من الصوارف والأشغال ، وهو لا يتيسّر إلّاإذا صرفت قلبك عن الامور الدنيويّة ، وطهّرت نفسك عن الصفات الذميمة الدنيّة ، وقطعت نظرك عن حظوظك العاجلة بالكلّيّة .
و من هنا يظهر أنّ النيّة أشقّ من العمل بكثير ، فتكون أفضل منه .
وتبيَّن لك أنّ قوله صلى الله عليه و آله : « أفضل الأعمال أحمزها » غير مناف لقوله صلى الله عليه و آله : « نيّة المؤمن خيرٌ من عمله » . بل هو كالمؤكّد المقرّر له . « 1 »
وهذا الوجه قريب من الوجه الثاني عشر ، وإن كان بينهما تغاير لايخفى على المتأمِّل .
و ليكن هذا آخر ما جرى به القلم ، فنحن نحمد اللَّه سبحانه على توفيقه وتسهيل طريقه ، والصلاة على محمّد وآله الطاهرين .
هامش
( 1 ) . الأربعون للشيخ البهائي ، ص 451 - 454 ، ذيل الحديث 37 .