الإشكال في قوله عليه السلام : « ونيّة الكافر شرٌّ من عمله » .
الثاني : أنّ المراد أنّ النيّة بدون العمل خيرٌ من العمل بدون النيّة .
ورُدّ بأنّ العمل بدون النيّة لا خير فيه أصلًا ، وحقيقة التفضيل تقتضي المشاركة ولو في الجملة .
أقول : يمكن الجواب عنه بما حقّقه نجم الأئمّة وفاضل الامّة الرضيّ الأسترآبادي - عطّر اللَّه مرقده - في شرح الكافية ، وهو أنّ حقيقة التفضيل تقتضي المشاركة قطعاً ، إلّا أنّها قد تكون بحقيقته ، كما في « زيد أفضل من عمرو » وقد تكون تقديريّة ، كقول عليّ عليه السلام : « لأن أصوم يوماً من شعبان أحبُّ إليَّ من أن أُفطر يوماً من رمضان » « 1 » لأنّ إفطار يوم الشكّ الذي يمكن أن يكون من رمضان محبوبٌ عند المخالف ، فقدّره عليه السلام محبوباً إلى نفسه أيضاً ، ثمّ فضّل صوم شعبان عليه ، فكأنّه قال : هب أنّه محبوب عندي أليس صوم يوم من شعبان أحبّ منه . « 2 »
ولايخفى أنّ ما نحن فيه من هذا القبيل ، فكأنّه عليه السلام قال : هب أنّ العمل المجرّد عن نيّة الإخلاص المشوب بالأغراض الفاسدة لو سلّم خيريّته - كما هو اعتقاد المغرورين المخدوعين الذين خدعهم الشيطان ، فأقحمهم مزالق الشرك الخفيّ ، وخيّل لهم أنّهم على الصواب وأنّهم مخلصون - أليس النيّة الخالصة المخلصة المجرّدة من كدورات العُجب والرياء وغيرهما من الضمائم الرديئة خيراً من ذلك العمل ؟
على أنّه يمكن توجيه كلام هذا القائل بما هو أدقّ وألطف كما سنُبّه عليه .
الثالث : أنّ المؤمن ينوي خيراتٍ كثيرةً لا يساعده الزمان على عملها ، فكان الثواب المترتّب على نيّاته أكثر من الثواب المترتّب على أعماله ، وهذا الوجه منقول عن أبي بكر بن دريد اللغوي رحمه الله . « 3 »
هامش
( 1 ) . رواه الصدوق في الفقيه ، ج 2 ، ص 79 ، ح 349 ؛ و فضائل الأشهر الثلاثة ، ص 63 ، ح 45 ؛ والدار قطني فيسننه ، ج 2 ، ص 149 ، ح 2185 .
( 2 ) . شرح الرضي على الكافية ، ج 3 ، ص 454 .
( 3 ) . حكاه عنه الشهيد الأوّل في القواعد والفوائد ، ج 1 ، ص 113 ، الفائدة 22 ؛ والشيخ البهائى في أربعينه ، ص 451 ، ذيل الحديث 37 ؛ وانظر المجتنى لابن دريد ، ص 23 .