ومنها : أنّ مثل العارف يرى نفسه في نفسها باطلة متهافتة ، وإنّما قوامها بباريها ، وعملها الطاعة بقوّة مُبديها ، فكلّما أحدث شكراً لزمه شكر على شكره ، وكلّ ذلك دون استحقاق من صوّره وأقدره ، وبكيفيّة شكره أعلمه وأخبره ؛ فأنّى يبرأ العبد من التقصير ؟ وأنّى يقوم بما يستوجبه اللطيف الخبير ؟
وأمّا التوجيه بفعل المكروه ، فيجلّ مقام نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم ومقام آله عن ذلك ، وإن أمكن بالنسبة لسائر الأنبياء عليهم وعلى نبيّنا وآله الصلاة والسلام .
( ما ) ، أي ذنباً ، وأبهم تعظيماً وتهويلًا على حدّ فغشيهم من أليم ما غشيهم ، وإيذاناً بأنّ ذلك الذنب ليس بذنب حقيقي ومعصية صِرفة منه ، بل على حدّ الوجوه المذكورة أو ما شاكلها . ويؤيّده قوله فيما بعد : « أنت المقدّم » فنسب لربّه ما نسب لنفسه على نحوٍ غامض كما سيأتي .
( قَدّمْتُ ) ، أي قدّمته قبل دعائي هذا ، أو قدّمته في عالمي القديم : أعني العقلي أو النفسي مثلًا ، وقِدَمه باعتبار مقابله من جملة التأخّر ، أو قدّمته أُمّتي من لدن آدم إليّ ، فإنّ جميع الأنبياء من امّته - فضلًا عن اممهم كما روي - ممّا جاء في الذكر الحكيم :
« وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ »
« 1 » .
وهم في عصرهم نوّابه وخلفاؤه ، يشير إلى ذلك قوله تعالى :
« إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً »
« 2 » وأمثاله ، ولعلّه صلى الله عليه و آله و سلم أشار بحذف الضمير العائد على الموصول أو الموصوف إلى أنّ ذلك ظاهر لديك ، ولا غيبة هناك سواء في ذلك المتقدِّم والمتأخّر .
وقس على وجوه « ما قدّمت » قوله :
( وَما أخَّرْتُ ) ، فإمّا أخّرته عن دعائي هذا ، أو أخرجته في العالم الآخر وهو العالم الجسماني الملكي ، أو ذنوب امّتي ممّن كان بعدي ، فطلب منه سبحانه غفران ذنوب جميع اممه اللاتي لها أهليّة ذلك سبقوه في الوجود الظاهر أو لحقوه .
( وَما أسْرَرْتُ وَما أعْلَنْتُ ) ؛ أي كتمته عن غيرك أو أظهرته ؛ إذ لا يصحّ الإسرار عنه
هامش
( 1 ) . الصافات ( 37 ) : 83 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 30 .