أسأت اختياري منك الثّواب [ 1 ]
لي الذّنب جهلا ولم تذنب
/ وكتبها في رقعة وبعث بها إليه ، فلما قرأها وجّه جماعة من أصحابه في طلبه ، وقال لهم : الويل لكم إن فاتكم بكر بن النّطَّاح .
اعتذر إليه وأعطاه فمدحه
ولا بد أن تنكفئوا على أثره [ 2 ] ولو صار إلى الجبل ، فلحقوه فردّوه إليه ، فلما دخل داره ونظر إليه قام فتلقاه وقال : يا أخي ، عجلت علينا وما كنّا نقتصر بك على ما سلف وإنما بعثنا إليك بنفقة ، وعوّلنا بك على ما يتلوها ، واعتذر كلّ واحد منهما إلى صاحبه ، ثم أعطاه حتى أرضاه ، فقال بكر بن النّطَّاح يمدحه :
أقول لمرتاد ندى غير مالك
كفى بذل هذا الخلق بعض عداته
فتى جاد بالأموال في كلّ جانب
وأنهبها [ 3 ] في عوده وبدأته
فلو خذلت أمواله بذل [ 4 ] كفّه
لقاسم من يرجوه شطر حياته
ولو لم يجد في العمر قسمة ماله [ 5 ]
وجاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير كفر بربّه
وشاركهم في صومه وصلاته
فوصله صلة ثانية لهذه الأبيات ، وانصرف عنه راضيا .
هكذا ذكر أبو هفّان في خبره وأحسبه غلطا ، لأن أكثر مدائح بكر بن النّطَّاح في مالك بن عليّ الخزاعيّ - وكان يتولَّى طريق خراسان - وصار إليه بكر بن النّطاح بعد وفاة أبي دلف ومدحه ، فأحسن تقبّله وجعله في جنده ، وأسنى له الرّزق ، فكان معه ، إلى أن قتله الشّراة بحلوان ، فرثاه بكر بعدّة قصائد هي من غرر شعره وعيونه .
كان مع مالك الخزاعي يوم أن قتل فرثاه
فحدّثني عمّي ، قال : حدّثني أحمد بن أبي طاهر ، عن أبي وائلة السّدوسيّ ، قال :
عاثت الشّراة بالجبل عيثا شديدا ، وقتلوا الرجال والنساء والصّبيان ، / فخرج إليهم مالك بن عليّ الخزاعيّ وقد وردوا حلوان ، فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم عنها ، وما زال يتبعهم حتى بلغ بهم قرية يقال لها : حدّان [ 6 ] ، فقاتلوه عندها قتالا شديدا ، وثبت الفريقان إلى الليل حتى حجز بينهم ، وأصابت مالكا ضربة على رأسه أثبتته [ 7 ] ، وعلم أنه ميّت ، فأمر بردّه إلى حلوان ، فما بلغها حتى مات ، فدفن على باب حلوان ، وبنيت لقبره قبّة على قارعة الطريق ، وكان معه بكر بن النّطَّاح يومئذ ، فأبلى بلاء حسنا ، وقال بكر يرثيه :
هامش
[ 1 ] ب :« أسأت اختياري فنلت النوى ».
[ 2 ] مي : « ولا بد أن تبلغوا في أثره » .
[ 3 ] فوات الوفيات 1 : 79 : « وأوهبها » .
[ 4 ] فوات الوفيات : « جود كفه » .
[ 5 ] فوات الوفيات : « قسمة باذل » .
[ 6 ] حدّان - بالضم - : إحدى محالّ البصرة القديمة . وفي ف : « حيداد » .
[ 7 ] أثبتته : جعلته ثابتا في مكانه لا يفارقه .