مودته للطرماح مع اختلاف المذهب والعصبية
قال ابن قتيبة في خبره خاصة : وكانت بينه وبين الطَّرمّاح خلطة ومودّة وصفاء لم يكن بين اثنين [ 1 ] ، قال [ 2 ] :
فحدّثني بعض أصحابه عن محمد بن سهل راوية الكميت ، قال : أنشدت الكميت قول الطَّرمّاح :
إذا قبضت نفس الطَّرمّاح أخلقت
عرا المجد واسترخى عنان القصائد
قال : إي واللَّه وعنان الخطابة والرواية . قال : وهذه الأحوال بينهما على تفاوت المذاهب والعصبيّة والدّيانة ؛ كان الكميت شيعيّا عصبيّا عدنانيا من شعراء مضر ، متعصّبا لأهل الكوفة ، والطرمّاح خارجيّ صفريّ قحطانيّ عصبيّ لقحطان ، من شعراء اليمن ، متعصب لأهل الشام ، فقيل لهما : ففيم اتفقتما هذا الاتفاق مع اختلاف سائر الأهواء [ 3 ] ؟ قال : اتفقنا على بغض العامة .
علمه بأيام العرب وأشعارها
أخبرني عمي قال : حدثني محمد بن سعد الكرانيّ ، قال : حدّثنا أبو عمر العمريّ ، عن لقيط ، قال :
اجتمع الكميت بن زيد وحمّاد الراوية في مسجد الكوفة ، فتذاكرا أشعار العرب وأيّامها ، فخالفه حماد في شيء ونازعه ، فقال له الكميت : أتظنّ أنّك أعلم منّي بأيام العرب وأشعارها ؟ قال : وما هو إلا الظنّ ! هذا واللَّه هو اليقين . فغضب الكميت ثم قال له : لكم شاعر بصير ، يقال له عمرو ابن فلان ، تروي ؟ ولكم شاعر أعور أو أعمى [ 4 ] اسمه فلان ابن عمرو ، تروي ؟ فقال حماد قولا لما يحفظه : فجعل الكميت يذكر رجلا رجلا من صنف صنف ، / ويسأل حمّادا : هل يعرفه ؟ فإذا قال : لا ، أنشده من شعره جزءا منه حتى ضجرنا .
مساءلته حمادا عن شيء من الشعر وتفسيره
ثم قال له الكميت : فإني سائلك عن شيء من الشّعر ، فسأله عن قول الشاعر [ 5 ] :
طرحوا أصحابهم في ورطة
فذفك المقلة شطر المعترك [ 6 ]
فلم يعلم حمّاد تفسيره ، فسأله عن قول الآخر :
تدرّيننا بالقول حتى كأنما
تدرّين ولدانا تصيد الرّهادنا
فأفحم حمّاد ، فقال له : قد أجّلتك إلى الجمعة الأخرى ، فجاء حماد ولم يأت بتفسيرهما ، وسأل الكميت أن يفسّرهما له ، فقال : المقلة : حصاة أو نواة من نوى المقل يحملها القوم معهم إذا سافروا ، وتوضع في الإناء ويصبّ عليها الماء حتى يغمرها ، فيكون ذلك علامة يقتسمون بها الماء . والشّطر : النّصيب . والمعترك : الموضع الذي يختصمون فيه في الماء ، فيلقونها هناك عند الشّرّ . وقوله : « تدرّيننا » ، يعني النساء ، أي ختلننا فرميننا . والرهادن :
طير بمكة كالعصافير .
هامش
[ 1 ] الخبر في الشعر والشعراء 562 .
[ 2 ] الخبر في الشعر والشعراء 567 .
[ 3 ] في أ : « مع سائر اختلاف » .
[ 4 ] في المختار : « لكم شاعر أعمى يقال له فلان ابن عمر » .
[ 5 ] هو يزيد بن طعمة الخطمي . اللسان « مقل » ، مجالس العلماء 216 .
[ 6 ] في أ : « وسط المعترك » .