فلما قدم المدينة نزل قصره بالعقيق ، فأتاه ابن المنكدر ، وقال : كيف كنت ؟ فقال : * ( لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ) * [ 1 ] .
عيسى بن طلحة يعزيه أكرم عزاء
قال الزبير : وحدّثني عبد الملك بن عبد العزيز ، عن ابن الماجشون : أنّ عيسى بن طلحة جاء إلى عروة بن الزّبير حين قدم من عند الوليد بن عبد الملك ، وقد قطعت رجله ، فقال عروة لبعض بنيه : اكشف لعمّك عن رجلي ينظر إليها ، ففعل ، فقال له عيسى : إنا للَّه وإنا إليه راجعون ، يا أبا عبد اللَّه ، ما أعددناك للصراع ولا للسباق ، ولقد أبقى اللَّه لنا منك ما كنا نحتاج إليه منك : رأيك وعلمك . فقال عروة : ما عزّاني أحد عن رجلي مثلك .
الوليد بن عبد الملك يبعث إليه بمن هو أعظم بلاء منه
قال الزبير : وحدثني مصعب بن عثمان ، عن عامر بن صالح ، عن هشام بن عروة :
أنه قدم على الوليد رجل من عبس ضرير محطوم الوجه ، فسأله عن سبب ذلك ، فقال : بتّ ليلة في بطن واد ، ولا أعلم في الأرض عبسيّا يزيد ماله على مالي ، فطرقنا سيل ، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد إلَّا صبيّا مولودا وبعيرا ضعيفا ، فندّ البعير والصبيّ معي ، فوضعته ، / واتبعت البعير ، فما جاوزت ابني قليلا إلَّا ورأس الذئب في بطنه ، فتركته ، واتّبعت البعير ، فرمحني رمحة حطم بها وجهي ، وأذهب عيني ، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد ولا ذا بصر .
عمر بن أبي ربيعة يسأل عن محمد بن عروة
فقال الوليد بن عبد الملك : اذهبوا به إلى عروة ليعلم أنّ في الناس من هو أعظم بلاء منه .
أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ ، وعمر بن عبد العزيز بن أحمد [ 2 ] ، ومحمد بن العباس اليزيديّ ، وجماعة أخبروني قالوا : حدثنا الزّبير بن بكار ، قال : حدثني عمّي ، عن جدي ، عن هشام بن عروة قال :
خرجت مع أبي عروة بن الزبير حاجّا ، ومعنا أخي محمد بن عروة ، وكان من أحسن الناس وجها ، فلما كنّا في بعض الطريق إذا نحن بعمر بن أبي ربيعة يكلَّم بعضنا ، فقلنا : هذا أبو الخطاب لو سايرناه ، فرآنا عروة ، فقال :
فيم أنتم ؟ قلنا : هذا عمر بن أبي ربيعة ، فضرب عروة إليه راحلته ، فلما رآها عمر عدل إليه فسلَّم عليه ، ثم قال :
وأين زين المواكب ؟ - يعني محمد بن عروة - فقال : قد تقدّم ، فعدل عن عروة واتبع محمدا ، فقال له عروة : نحن أكفى لك وأولى أن تسايرنا ، فقال : إني رجل موكل بالجمال أتبعه حيث كان ، وضرب راحلته ومضى .
صوت
يا بني الصّيداء ردّوا فرسي
إنما يفعل هذا بالذّليل
/ عوّدوا مهري الذي عوّدته
دلج الليل وإيطاء القتيل
واستباء الزّقّ من حاناته
شائل الرّجلين معصوبا يميل
هامش
[ 1 ] سورة الكهف 62 .
[ 2 ] « بيروت » : « وأحمد بن عبد العزيز الجوهري » .