فلما سار الربيع دسّ حذيفة في أثره فوارس ، فقال : اتبعوه ، فإذا مضت [ 1 ] ثلاث ليال فإنّ معه فضلة من خمر ، فإن وجدتموه قد أهراقها [ 2 ] فهو جادّ وقد مضى ، فانصرفوا ، وإن لم تجدوه قد أراقها فاتبعوه ؛ فإنكم تجدونه قد مال لأدنى منزل ، فرتع وشرب فاقتلوه ، فتبعوه فوجدوه قد شقّ الزّقّ ومضى ، فانصرفوا .
فلما أتى الربيع قومه ، وقد كان بينه وبين قيس بن زهير شحناء ؛ وذلك أنّ الربيع ساوم قيس بن زهير في درع كانت عنده ، فلما نظر إليها وهو راكب وضعها بين يديه ، ثم ركض بها فلم يردّها على قيس ، فعرض / قيس لفاطمة ابنة الخرشب الأنمارية - من أنمار بن بغيض ، وهي إحدى منجبات قيس ، وهي أمّ الربيع - وهي تسير في ظعائن من عبس ، فاقتاد جملها ، يريد أن يرتهنها بالدّرع حتى يردّ عليه ، فقالت : ما رأيت كاليوم فعل رجل ! أي قيس ، ضلّ حلمك ! أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد وقد أخذت أمّهم ! فذهبت بها يمينا وشمالا ! فقال الناس في ذلك ما شاؤوا ! وحسبك من شرّ سماعه ، فأرسلتها مثلا . فعرف قيس بن زهير ما قالت له ، فخلَّى سبيلها ، وأطرد إبلا لبني زياد ، فقدم بها مكَّة ، فباعها من عبد اللَّه بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة القرشيّ ، وقال في ذلك قيس بن زهير [ 3 ] :
ألم يبلغك والأنباء تنمي
بما لاقت لبون بني زياد
ومحبسها على القرشيّ تشرى
بأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدر
وإخوته على ذات الإصاد
/ هم فخروا عليّ بغير فخر
وذادوا دون غايته جوادي
وكنت إذا منيت بخصم سوء
دلفت له بداهية نآد [ 4 ]
بداهية تدقّ الصّلب منه
فتقصم أو تجوب عن الفؤاد [ 5 ]
وكنت إذا أتاني الدّهر ربق
بداهية شددت لها نجادي
الربق : ما يتقلَّده .
/
ألم تعلم بنو الميقاب أنّى
كريم غير منغلث الزّناد [ 6 ]
الوقب : الأحمق ، والميقاب : التي تلد الحمقى ، والمنغلث : الذي ليس بمنتقى .
أطوّف ما أطوّف ثم آوي
إلى جار كجار أبي دواد
جاره : يعني ربيعة الخير بن قرط بن سلمة بن قشير ، وجار أبي دواد يقال له : الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان ، وكان أبو دواد في جواره ، فخرج صبيان الحيّ يلعبون في غدير ، فغمس الصّبيان ابن أبي دواد فيه
هامش
[ 1 ] في س : « فإذا مضوا » والمثبت من أوالنقائض .
[ 2 ] أهراقها : أسالها .
[ 3 ] النقائض 90 .
[ 4 ] نآد : شديدة .
[ 5 ] س : « تجوب على الفؤاد » ، وجاب الشيء جوبا : خرقه ، والمثبت ما في أوالنقائض والمختار .
[ 6 ] أ : « كريه يوم ملحمة جلادي » . وفي هامشه من نسخة : « غير منفلت » ، وفي المختار والنقائض : « غير مغتلث » ، ويروى : « معتلث » ، وفي « اللسان » : اعتلثت الزند : انتخبته من شجرة لا يدري : أيورى أم لا ! واعتلث السهم ، بالعين المهملة : أخذه من عرض الشجر .