له الآن شعب بن عامر فاصطلحوا هناك ، وسلَّموا الأمر إلى مضاض ؛ فلمّا اجتمع له أمر مكَّة ، وصار ملكها دون السّميدع نحر للناس فطبخوا هناك الجزر ، فأكلوا ، وسمّي ذلك الموضع المطابخ . فيقال : إنّ هذا أوّل بغي بمكة ، فقال مضاض بن عمرو في تلك الحرب [ 1 ] :
نحن قتلنا سيّد الحيّ عنوة
فأصبح منها وهو حيران موجع
- يعني أنّ الحيّ أصبح حيران موجعا -
وما كان يبغي أن يكون سواؤنا
بها ملكا حتّى أتانا السّميدع [ 2 ]
فذاق وبالا حين حاول ملكنا
وحاول منّا غصّة تتجرّع [ 3 ]
ونحن عمرنا البيت كنّا ولاته
نضارب عنه من أتانا وندفع
/ وما كان يبغي ذاك في الناس غيرنا
ولم يك حيّ قبلنا ثمّ يمنع
وكنّا ملوكا في الدهور التي مضت
ورثنا ملوكا لا ترام فتوضع
انتقام ممن استخف بحق البيت :
قال عثمان بن ساج في خبره :
وحدّثني بعض أهل العلم أنّ سيلا جاء فدخل البيت فانهدم ، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم ، بناه لهم رجل منهم يقال له أبو الجدرة واسمه عمر الجارود ، وسمّي بنوه الجدرة . قال : ثم استخفّت جرهم بحقّ البيت ، وارتكبوا فيه أمورا عظاما ، وأحدثوا فيه أحداثا قبيحة ، وكان للبيت خزانة ، وهي بئر في بطنه ، يلقى فيها الحلي والمتاع الذي يهدى له ، وهو يومئذ لا سقف عليه ، فتواعد عليه خمسة من جرهم أن يسرقوا كلّ ما فيه ، فقام على كلّ زاوية من البيت رجل منهم واقتحم الخامس ، فجعل اللَّه عزّ وجلّ أعلاه أسفله ، وسقط منكَّسا فهلك ، وفرّ الأربعة الآخرون .
خبر إساف ونائلة :
قالوا : ودخل إساف ونائلة [ 4 ] البيت ففجرا فيه ، فمسخهما اللَّه حجرين ، فأخرجا من البيت . وقيل إنّه لم يفجر بها في البيت ، ولكنه قبّلها في البيت .
وذكر عثمان بن ساج عن أبي الزناد ، أنه إساف بن سهيل ، وأنها نائلة بنت عمرو بن ذئب . وقال غيره : إنها نائلة بنت ذئب . فأخرجا من الكعبة ، ونصبا ليعتبر بهما من رآهما ، ويزدجر النّاس عن مثل ما ارتكبا ، فلما غلبت خزاعة على مكة ونسي حديثهما ، حوّلهما عمرو بن لحيّ بن كلاب بعد ذلك ؛ فجعلها تجاه الكعبة يذبح عندهما عند موضع زمزم .
هامش
[ 1 ] الكلام بعده إلى قوله : « ثم رموا بالجدب من خلفهم » ساقط من ط .
[ 2 ] سواؤنا : لغة في سوانا .
[ 3 ] أ : « يتجرع » .
[ 4 ] هما اللذان يزعم العرب أنهما مسخا حجرين فجعلا صنمين يعبدان . وإساف ، بفتح الهمزة وكسرها . وكان هذا الصنم على الصفا .
وأما نائلة فكان على المروة . وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة .