/ لمّا قال عبد اللَّه بن طاهر قصيدته التي يفخر فيها بمآثر أبيه وأهله ويفخر بقتلهم المخلوع ، عارضه محمد بن يزيد الأموي الحصني ، وكان رجلا من ولد مسلمة بن عبد الملك ، فأفرط في السّبّ وتجاوز الحدّ في قبح الردّ ، وتوسّط بين القوم وبين بني هاشم فأربى في التوسّط والتعصّب . فكان مما [ 1 ] قال فيه :
يا بن بيت النّار موقدها
ما لحاذيه سراويل [ 2 ]
من حسين من أبوك ومن
مصعب ! غالتكم غول
نسب في الفخر مؤتشب [ 3 ]
وأبوّات أراذيل
قاتل المخلوع مقتول
ودم المقتول مطلول
وهي قصيدة طويلة . فلمّا ولَّي عبد اللَّه مصر وردّ إليه تدبير أمر الشام ، علم الحصنيّ أنّه لا يفلت منه إن هرب ، ولا ينجو من يده حيث حلّ ؛ فثبت في موضعه ، وأحرز حرمه ، وترك أمواله ودوابّه وكلّ ما كان يملكه في موضعه ، وفتح باب حصنه وجلس عليه ، ونحن نتوقّع من عبد اللَّه بن طاهر أن يوقع به . فلما شارفنا بلده وكنّا على أنّ نصبّحه [ 4 ] ، دعاني عبد اللَّه في الليل فقال لي : بت عندي الليلة ، وليكن فرسك معدّا عندك لا يردّ ، ففعلت . فلمّا كان في السّحر أمر غلمانه وأصحابه ألَّا يرحلوا حتى تطلع الشمس ، وركب في السّحر وأنا وخمسة من خواصّ غلمانه [ معه ] [ 5 ] ، فسار حتّى صبّح الحصنيّ ، فرأى بابه مفتوحا ورآه جالسا مسترسلا ، فقصده وسلَّم عليه ونزل عنده وقال له : ما أجلسك ها هنا وحملك على أن فتحت بابك ولم تتحصّن من هذا الجيش المقبل ولم تتنحّ عن عبد اللَّه بن طاهر مع ما في نفسه عليك وما بلغه عنك ؟ فقال : إنّ / ما قلت لم يذهب عليّ ، ولكنّي تأمّلت أمري وعلمت أنّي أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشبّاب وغرّة الحداثة ، وأنّي إن هربت منه لم أفته ، فباعدت البنات والحرم ، واستسلمت بنفسي وكلّ ما أملك ؛ فإنّا أهل بيت قد أسرع القتل فينا ، ولي بمن مضى أسوة ؛ فإنّي أثق بأنّ الرجل إذا قتلني وأخذ مالي شفى غيظه ولم يتجاوز ذلك إلى الحرم ولا له فيهنّ أرب ، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته .
قال : فو اللَّه ما اتّقاه عبد اللَّه إلَّا بدموعه تجري على لحيته . ثم قال له : أتعرفني ؟ قال : لا واللَّه ! قال : أنا عبد اللَّه بن طاهر ، وقد أمّن اللَّه تعالى روعتك ، وحقن دمك ، وصان حرمك ، وحرس نعمتك ، وعفا عن ذنبك . وما تعجّلت إليك وحدي إلَّا / لتأمن من قبل هجوم الجيش ، ولئلَّا يخالط عفوي عنك روعة تلحقك . فبكى الحصنيّ وقام فقبّل رأسه ؛ وضمّه [ إليه ] [ 6 ] عبد اللَّه وأدناه ، ثم قال له : إمّا [ لا ] [ 7 ] فلا بدّ من عتاب . يا أخي جعلني اللَّه فداك ! قلت شعرا
هامش
[ 1 ] كذا في ف . وفي سائر الأصول : « فيما قال فيه » .
[ 2 ] الحاذان من الدابة : ما وقع عليه الذنب من أدبار الفخذين . يريد هنا الفخذين .
[ 3 ] نسب مؤتشب ( بفتح الشين ) : غير صريح .
[ 4 ] صبحه ( بتشديد الباء ) : أتاه صباحا .
[ 5 ] زيادة في ف .
[ 6 ] زيادة عن ط ، ف .
[ 7 ] التكملة عن ط . يزيد : إن كنت لا أؤاخذك بما وقع منك ، فلا بدّ من عتاب . فحذفت « كان » واسمها وخبرها ، وبقيت « لا » النافية ، وعوض عن المحذوف « ما » . وهذا أسلوب في العربية معروف . قال الشاعر :أمرعت الأرض لو أن مالا
لو أن نوقا لك أو جمالا
أو ثلة من غنم إمالاالتقدير : إن كنت لا تجدين غيرها ( يراجع شرح الأشموني وغيره من كتب النحو في باب كان وأخواتها ) .