استهزأ به رجل فردّ علهى فأفحمه وقال في ذلك شعرا
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال :
كان طريق أبي الأسود الدؤليّ إلى المسجد والسوق في بني تيم اللَّه بن ثعلبة وكان فيهم رجل متفحش يكثر الاستهزاء بمن يمرّ به ، فمرّ به أبو الأسود الدؤليّ يوما / فقال لقومه : كأنّ وجه أبي الأسود وجه عجوز راحت إلى أهلها بطلاق ، فضحك القوم ، وأعرض عنهم أبو الأسود . ثم مرّ به مرّة أخرى ، فقال لهم : كأنّ غضون قفا أبي الأسود غضون الفقاح [ 1 ] . فأقبل عليه أبو الأسود فقال له : هل تعرف فقحة أمّك فيهنّ ؟ فأفحمه ، وضحك القوم منه ، وقاموا إلى أبي الأسود ، فاعتذروا إليه مما كان ، ولم يعاوده الرجل بعد ذلك ، وقال فيه أبو الأسود بعد ذلك حين رجع إلى أهله :
وأهوج ملجاج تصاممت قبله
أن اسمعه وما بسمعي من باس
ولو شئت قد أعرضت حتى أصيبه
على أنفه حدباء تعضل بالاسي [ 2 ]
فإن لساني ليس أهون وقعة
وأصغر آثارا من النحت بالفاس
وذي إحنة لم يبدها غير أنه
كذي الخبل تأبى نفسه غير وسواس [ 3 ]
صفحت له صفحا جميلا كصفحه
وعيني - وما يدري - عليه وأحراسي [ 4 ]
/ وعندي له إن فار فوّار صدره
فما جبليّ لا يعاوده الحاسي
وخبّ لحوم الناس أكثر زاده
كثير الخنا صعب المحالة همّاس [ 5 ]
تركت له لحمي وأبقيت لحمه
لمن نابه من حاضر الجنّ والناس
فكَّر قليلا ثم صدّ كأنما
يعضّ بصمّ من صفا جبل رأسي [ 6 ]
خبره مع أعرابي جاء يسأله
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدّثنا المدائنيّ قال :
خرج أبو الأسود الدؤلي ومعه جماعة أصحاب له إلى الصيد ، فجاءه أعرابيّ فقال له : السلام عليك . فقال له أبو الأسود : كلمة مقولة . قال : أدخل ؟ قال : وراؤك أوسع لك . قال : إن الرّمضاء قد أحرقت رجلي ، قال : بل عليها أو ائت الجبل يفىء عليك . قال : هل عندك شيء تطعمنيه ؟ قال : نأكل ونطعم العيال ، فإن فضل شيء فأنت
هامش
[ 1 ] الفقاح : جمع فقحة وهي حلقة الدبر .
[ 2 ] حدباء : صعبة شديدة ، الآسي : المداوي . أعضل به الأمر : ضاقت عليه الحيل فيه .
[ 3 ] الإحنة : الضغينة والعداوة .
[ 4 ] الفحا : تواب القدور كالفلفل والكمون ونحوهما .
[ 5 ] الخب : الخدّاع .
[ 6 ] صم : جمع أصم وهو الحجر الصلب المصمت . وفي الأصول « من صدى » وهو تحريف .