/ قلت لعمرو بن بانة : أيّما أجود صنعتك أم صنعة علَّويه ؟ فقال : صنعة علَّويه ، لأنه ضارب وأنا مرتجل . ثم أطرق ساعة وقال : لا أكذبك يا أبا المهنّأ واللَّه ما أحسن / أن أصنع مثل صنعة علَّويه .
فواحسرتا لم أقض منك لبانة
ولم أتمتّع بالجوار وبالقرب
ولا مثل صنعته :
هزئت أميمة أن رأت ظهري انحنى
وذؤابتي علَّت بماء خضاب
ولا مثل صنعته :
ألا يا حمامي قصر دوران هجتما
لقلبي الهوى لمّا تغنّيتما ليا
وقد مضت نسبة هذه الأصوات .
غنى في شعر هجى به عليّ بن الهيثم فأغرى الفضل بن الربيع بن الأمين حتى ضربه ثم رضي عنه :
حدّثني جحظة قال حدّثني أحمد بن الحسين بن هشام أبو عبد اللَّه قال حدّثني أحمد بن الخليل بن هشام قال :
كان بين علَّويه وبين عليّ بن الهيثم جونقا شرّ في عربدة وقعت بينهما بحضرة الفضل بن الربيع وتمادى الشرّ بينهما ، فغنّى علَّويه في شعر هجاه به أبو يعقوب [ 1 ] في حاجة ، فهجاه وذكر أنه دعيّ . وكان جونقا يدّعي أنّه من بني تغلب ، فقال فيه أبو يعقوب :
يا عليّ بن هيثم يا جونقا
أنت عندي من الأراقم [ 2 ] حقّا
عربيّ وجدّه نبطيّ !
فدبنقا لذا الحديث دبنقا [ 3 ]
/ قد أصابتك في التقرّب عين
فاستنارت لشهبها الفلك برقا [ 4 ]
وإذا قال إنني عربيّ
فانتهزه وقل له أنت شفقا
- وللخريميّ فيه أهاج كثيرة نبطيّة - فغنّى علَّويه لحنا صنعه في هذه الأبيات بحضرة الأمين ، وكان الفضل بن الربيع حاضرا فقال : يا أمير المؤمنين عليّ بن الهيثم كابني ، وإذا استخفّ به فإنّما استخفّ بي . فقال الأمين :
خذوه ، فأخذوه وضرب ثلاثين درّة ، وأمر بإخراجه . فطرح علَّويه نفسه على كوثر فاستصلح له الفضل بن الربيع ، وترضّى له الأمين حتى رضي عنه ووهب له خمسة آلاف دينار .
هامش
[ 1 ] هو أبو يعقوب إسحاق بن حسان بن قوهى الشاعر المعروف بالخزيمي . نزل بغداد وأصله من خراسان من أبناء السفد ، وكان متصلا بخريم بن عامر المري وآله فنسب إليه . وقيل : كان اتصاله بعثمان بن خريم . وكان عثمان هذا قائدا جليلا وسيدا شريفا . ومن شعر الخريمي :رسا بالصغد أصل بني أبينا
وأفرعنا بمهرو الشاهجان
وكم بالصغد لي من عم صدق
وخال ماجة بالجوزجانوكان شاعرا مجيدا من شعراء الدولة العباسية ، توفي سنة 200 ه .
[ 2 ] الأراقم هنا : حيّ من تغلب .
[ 3 ] تظهر أن هذه الكلمة نبطية ، وكذلك كلمة « شفقا » الآتية .
[ 4 ] كذا ورد هذا الشطر في « ب ، س » وفي « ج » : « فشاب لها العلك برقا » . وفي « أ ، م » : « فسارب العلك برقا » . وكل ذلك غير واضح ولا مستقيم .