ولقد كان قبل إظهاره النّس
ك قديما من أظرف الفتيان [ 1 ]
شعر له في بغل أبي المضاء وكان يكتريه فيركبه إلى الحيرة :
وأخبرني أبو الحسن الأسديّ عن العنزيّ قال قال ابن الكلبيّ حدّثني سلمة بن عبد سواع [ 2 ] عن أبيه قال :
كان الأقيشر لا يسأل أحدا أكثر من خمسة دراهم ، يجعل درهمين في كراء بغل إلى الحيرة ، ودرهمين للشراب ، ودرهما للطعام . وكان له جار يكنى أبا المضاء له بغل يكريه ، وكان يعطيه درهمين ويأخذ بغله فيركبه إلى الحيرة ، حتى يأتي بيت / الخمّار فينزل عنده ويربطه بلجامه وسرجه - فيقال إنه أعطى ثمنه في الكراء - ثم يجلس فيشرب حتى يمسي ، ثم يركبه وينصرف . فقال في ذلك :
يا بغل بغل أبي المضاء تعلَّمن
أنّي حلفت ولليمين نذور
لتعسّفنّ [ 3 ] وإن كرهت مهامها
فيما أحبّ وكلّ ذاك يسير
بالرغم يا ولد الحمار قطعتها
عمدا وأنت مذلَّل مصبور
حتى تزور مسمّعا [ 4 ] في داره
وترى المدامة بالأكفّ تدور
لا يرفعون بما يسوءك نعرة
وإذا سخطت فخطب ذاك صغير
خدعته امرأة بأنها أم حنين الخمار وأخذت منه درهمين ، فأخذ يهجو أم حنين حتى استرضاه حنين :
قال : فأتى يوما من الأيّام بيت الحمّار الذي كان يأتيه فلم يصادفه فجعل ينتظره ، ودخلت الدار امرأة عباديّة [ 5 ] ، فقال لها : ما فعل فلان ؟ قالت : مضى في حاجة وأنا امرأته ، فما تريد ؟ قال : نبيذا . قالت بكم ؟ قال :
بدرهمين . قالت : هلمّ درهميك وانتظرني . قال لا [ 6 ] . قالت : فذلك إليك ، ومضت وتبعها ، فدخلت دارا لها بابان وخرجت من أحدهما وتركته . فلمّا طال جلوسه خرج إليه بعض أهل الدار ، قالوا : وما يجلسك ؟ فأخبرهم . فقالوا له : تلك امرأة محتالة يقال لها أمّ حنين من العباديّين . فعلم أنه قد خدع ، فانصرف إلى خمّاره فأخبره بالقصة وقال له : أنسئني [ 7 ] اليوم فاسقني ففعل . وأنشأ الأقيشر يقول :
/
لم يغرّر بذات خفّ سوانا
بعد أخت العباد أمّ حنين
وعدتنا بدرهمين نبيذا
أو طلاء معجّلا غير دين
ثم ألوت بالدرهمين جميعا
يا لقومي لضيعة [ 8 ] الدرهمين
هامش
[ 1 ] في « ح » : « في أظرف الفتيان » . وفي « أ ، م » : « في أظهر الفتيان » .
[ 2 ] كذا في « ج » . وفي « سائر الأصول » : « عبد سراع » بالراء .
[ 3 ] عسف المفازة : ( بالتشديد ) مثل عسفها واعتسفها وتعسفها أي قطعها بغير قصد ولا هداية . والمهامة : جمع مهمه ، وهو المفازة البعيدة والبلد القفر .
[ 4 ] في « ج » : « سميعا » . ويجب أن يكون مشدّد الياء ليستقيم الوزن ، وإنما سمى العرب سميعا ( وزان زبير ) .
[ 5 ] عبادية : نسبة إلى العباد وهم قبائل شتى اجتمعوا على النصرانية بالحيرة .
[ 6 ] يريد : لا أنتظر ، أما الدرهما فيدل سياق الكلام على أنه أعظاهما إياها .
[ 7 ] كذا في « ج » . والإنساء والنسيء : التأخير في الدين وفي العمر . وفي « سائر الأصول » : « أنشنى اليوم فامتعني » .
[ 8 ] كذا في « ج » . وفي « سائر الأصول » : « لصعبة الدرهمين » وهو تحريف .