قال : ودجلة تطفح وبيننا وبينها نحو ذراعين وذلك في الربيع ، فتأمّلت القصّة ، فإذا هو قد سكر ، وإذا الجارية لا تقوله كما أقوله أبدا . فقلت : هذه واللَّه داهية ، ويتنغّص عليه يومه وأشرك في دمها ، فعدلت عمّا كنت أغنّيه عليه وتركت ما كنت أقوله ، وغنّيته كما كانت هي تقوله ، وجعلت أردّده حتى انقضت ثلاث مرّات أعيده فيها على ما كانت هي تقوله ، وأريته أنّى أجتهد . فلما انقضت الثلاث المرّات قلت لها : هاتيه الآن ، فغنّته على ما كان وقع لها . فقلت : أحسنت يا أمير المؤمنين ، وردّدته معها ثلاث مرّات ، فطابت نفسه وسكن ، وأمر لي بثلاثين ألف درهم .
حدث لجحظة مع طرخان ما حدث له هو مع الأمين :
قال جحظة : وقد لحقني مثل هذا ؛ فإنّ طرخان [ 1 ] بن محمد بن إسحاق بن كنداجيق استحسن صوتا غنّيته وهو :
أعياني الشّادن الرّبيب
أكتب أشكو فلا يجيب
من أين أبغي شفاء دائي
وإنما دائي الطَّبيب
- ولحنه رمل - فقال : أحبّ أن تطرحه على زهرة جاريتي ، فمكثت أتردّد إليها شهرا وأكثر وأردّده عليها وهو يصلني ويخلع عليّ ويعطيني كلّ شيء حسن يكون في مجلسه ، فلا تأخذه منّي ولا يقع لها . فلمّا كان بعد شهر قلت له : أيّها الأمير قد واللَّه استحييت من كثرة ما تعطيني بسبب هذا الصوت ، وقد أعياني أن تأخذه زهرة ؛ ثم حدّثته حديث إبراهيم بن المهديّ وقلت له : لولا أني آمنك عليها لقلته أنا كما تقوله هي حتى نتخلَّص جميعا .
وليس وحياتك تأخذه أبدا كما أقوله ولا فيه حيلة . فقال لي : فدعه إذا .
غنى بحضرة المأمون لحنا وأراد ابن بسخنر أن يأخذه عنه فضلله :
حدّثني جحظة قال حدّثني هبة اللَّه بن إبراهيم قال حدّثني محمد بن الحارث بن بسخنّر قال :
غنّى إبراهيم بن المهديّ يوما بحضرة المأمون :
صوت
يا صاح يا ذالضّامر العنس
والرّحل ذي الأنساع والحلس
أمّا النّهار فأنت تقطعه
رتكا وتصبح مثل ما تمسي
- في هذين البيتين لحن لمالك خفيف ثقيل عن يونس والهشاميّ . قال : ولمعبد فيه ثقيل أوّل ، / وقد نسب قوم لحن كلّ واحد منهما إلى الآخر . قال محمد بن الحارث بن بسخنّر في الخبر : واللحن لمالك بن أبي السّمح وهو من قصاره . هكذا في الخبر - قال : فاستحسنه المأمون ، وذهبت آخذه ، ففطن لي إبراهيم فجعل يزيد فيه مرّة وينقص منه أخرى بزوائده التي كان يعملها في الغناء ، وعلمت ما هو يصنع فتركته . فلمّا قام قلت للمأمون : يا سيّدي إن رأيت أن تأمر إبراهيم أن يلقي عليّ :
يا صاح يا ذا الضّامر العنس
هامش
[ 1 ] كان من الأمراء . ( انظر الكلام عليه في « صلة تاريخ الطبري » ص 63 ) .