إقرار ابن بانة له ولإسحاق بالعلو في فن الغناء :
أخبرني يحيى قال حدّثني أبو العبيس بن حمدون عن عمرو بن بانة قال :
رأيت إسحاق الموصليّ يناظر إبراهيم بن المهديّ في الغناء ، فتكلَّما فيه بما فهماه ولم نفهم منه شيئا .
فقلت لهما : لئن كان ما أنتما فيه من الغناء ما نحن منه في قليل ولا كثير .
فضل المأمون غناءه على غناء إسحاق في شعر للأخطل :
أخبرني عمّي عن عليّ بن محمد بن نصر عن جدّه حمدون : أنّ المأمون قال لإسحاق : غنّني لحنك في شعر الأخطل :
يا قلّ خير الغواني كيف رغن به
فشربه وشل منهنّ تصريد [ 1 ]
فغنّاه أيّاه فاستحسنه ، ثم قال لإبراهيم بن المهديّ : هل صنعت في هذا الشعر شيئا ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين .
قال : فهاته ؛ فغنّاه فاستحسنه المأمون وقدّمه على صنعة إسحاق ، ولم يدفع إسحاق ذلك .
علمه إسحاق لحنا فطرب له الأمين وقصة ذلك :
أخبرني أبو الحسن عليّ بن هارون بن عليّ بن يحيى الموصليّ قال ذكر أبي عن جدّي عن عبد اللَّه بن عيسى الماهانيّ قال :
دخلت يوما على إسحاق بن إبراهيم الموصليّ في حاجة ، فرأيت عليه مطرف خزّ أسود ما رأيت قطَّ أحسن منه ؛ فتحدّثنا إلى أن أخذنا في أمر المطرف فقال : لقد كانت / لكم أيّام حسنة ودولة عجيبة ، فكيف ترى هذا ؟
فقلت له : ما رأيت مثله . فقال : إن قيمته مائة ألف درهم ، وله حديث عجيب . فقلت له : ما أقوّمه إلَّا نحوا من مائة دينار . فقال إسحاق : اسمع حديثه : شربنا يوما من الأيّام ، فبتّ وأنا مثخن ، فانتبهت لرسول محمد الأمين ، فدخل عليّ فقال لي : يقول لك أمير المؤمنين عجّل إليّ - وكان بخيلا على الطعام فكنت آكل قبل أن أذهب إليه - فقمت فتسوّكت وأصلحت أمري ، وأعجلني الرسول عن الغداء . فدخلت عليه وإبراهيم بن المهديّ جالس عن يمينه وعليه هذا المطرف وجبّة خزّ دكناء . فقال لي محمد : يا إسحاق تغدّيت ؟ فقلت : نعم يا سيّدي . فقال :
إنّك لنهم ، أهذا وقت غداء ! فقلت : أصبحت يا أمير المؤمنين وبي خمار ، فكان ذلك ممّا حداني [ 2 ] على الأكل .
فقال لهم : كم شربنا ؟ فقالوا : ثلاثة أرطال . فقال : اسقوه مثلها . فقلت : إن رأيت أن تفرّقها عليّ ! فقال : تسقى رطلين ورطلا . فدفع إليّ رطلان فجعلت أشربهما وأنا أتوهّم أنّ نفسي تسيل معهما ، ثم دفع إليّ رطل آخر فشربته فكأنّ شيئا انجلى عنّي . فقال غنّني :
كليب لعمري كان أكثر ناصرا
وأيسر جرما منك ضرّج بالدّم
فغنّيته ؛ فقال : أحسنت وطرب ، ثم قام فدخل . وكان يفعل ذلك كثيرا ، يدخل إلى النساء / ويدعنا .
فقمت في أثر قيامه فدعوت غلاما لي فقلت : اذهب إلى منزلي وجئني
هامش
[ 1 ] كذا في « ديوان الأخطل » ( طبع المطبعة الكاثوليكية ببيروت سنة 1891 م ) . وفي الأصول : « لشربة » . والشرب ( بالكسر ) هنا :
الحظ من الماء . والوشل هنا : القليل . والتصريد : السقي دون الري . يريد بهذا الشطر أن حظه منهن قليل .
[ 2 ] كذا في ج . وفي سائر الأصول : « جرأني » .